تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٣ - الصفحة ١٩٤
لهم: أنصفوا واعترفوا بأنا على الدين الحق وهو تعجيز لهم أو هو تعريض بهم لأنهم إذا شهدوا بالإسلام لهم فكأنهم قالوا: إنا لسنا كذلك، وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وقيل: المراد فإن تولوا فقولوا: إنا لا نتحاشى عن الإسلام ولا نبالي بأحد في هذا الأمر - فاشهدوا بأنا مسلمون - فإنا لا نخفي إسلامنا كما أنكم تخافون وتخفون كفركم ولا تعترفون به لعدم وثوقكم بصر الله تعالى، ولا يخفى أن هذا على ما فيه إنما يحسن لو كان الكلام في منافقي أهل الكتاب لأن المنافقين هم الذين يخافون فيخفون، وأما هؤلاء فهم معترفون بما هم عليه كيف كان فلا يحسن هذا الكلام فيهم، و * (تولوا) * هنا ماض ولا يجوز أن يكون التقدير تتولوا لفساد المعنى لأن * (فقولوا) * خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، (وتتولوا) خطاب للمشركين، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب.
* (ياأهل الكت‍ابلم تحآجون فىإبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) *.
* (يا أهل الكت‍اب) * خطاب لليهود والنصارى * (لم تحاجون في إبراهيم) * أي تنازعون وتجادلون فيه ويدعي كل منكم أنه عليه السلام كان على دينه، أخرج ابن إسحق، وابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: " اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية " والظرف الأول متعلق بما بعده وكذا الثاني، و - ما - استفهامية، والغرض الإنكار والتعجب - عند السمين - وحذفت ألفها لما دخل الجار للفرق بينها وبين الموصولة، والكلام على حذف مضاف أي دين إبراهيم أو شريعته لأن الذوات لا مجادلة فيها * (وما أنزلت التوراة) * على موسى عليه السلام * (والإنجيل) * على عيسى عليه السلام * (إلا من بعده) * حيث كان بينه وبين موسى عليهما السلام خمسمائة وخمس وستون سنة، وقيل: سبعمائة، وقيل: ألف سنة وبين موسى وعيسى عليهما السلام ألف وتسعمائة وخمس وعشرون سنة، وقيل: ألفا سنة، وهناك أقوال أخر.
* (أفلا تعقلون) * الهمزة داخلة على مقدر هو المعطوف عليه بالعاطف المذكور على رأي - أي ألا تتفكرون فلا تعقلون بطلان قولكم - أو أتقولون ذلك فلا تعقلون بطلانه، وهذا تجهيل لهم في تلك الدعوى وتحميق، وهو ظاهر إن كانوا قد ادعوا - كما قال الشهاب - إنه عليه السلام منهم حقيقة، وإن كان مدعاهم أن دين إبراهيم يوافق دين موسى، أو دين عيسى فهو يهودي، أو نصراني بهذا المعنى فتجهيلهم، ونفي العقل عنهم بنزول التوراة والإنجيل بعده - مشكل إلا أن يدعى بأن المراد أنه لو كان الأمر كذلك لما أوتي موسى عليه السلام التوراة، ولا عيسى عليه السلام الإنجيل بل كانا يؤمران بتبليغ صحف إبراهيم - كذا قيل - وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل إذ لقائل أن يقول: أي مانع من اتحاد الشريعة مع إنزال هذين الكتابين لغرض آخر غير بيان شريعة جديدة على أن الصحف لم تكن مشتملة على الأحكام بل كانت أمثالا ومواعظ كما جاء في الحديث، ثم ما قاله الشهاب - وإن كان وجه التجهيل عليه ظاهرا، إلا أن صدور تلك الدعوى من أهل الكتاب في غاية البعد لأن القوم لم يكونوا بهذه المثابة من الجهالة وفيهم أحبار اليهود ووفد نجران، وقد ذكر أن الأخيرين كانت لهم شدة في البحث، فقد أخرج ابن جرير عبد الله بن الحرث الزبيدي أنه قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليت بيني وبين أهل نجران حجابا فلا أراهم ولا يروني " من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم اللهم
(١٩٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 ... » »»