عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ٨٢
قال الفقهاء: لزم معين البلد للقضاء طلبه لحاجة إلى رزقة من بيت المال أو لخمول ذكره وعدم شهرة فضيلته، يعني: إذا ولي القضاء انتشر علمه. فإن قلت: ما حال هذا التعليق؟ قلت: قد علم أن ما يذكر البخاري بصيغة الجزم يدل على صحته عنده، وما يذكره بصيغة التمريض يدل على ضعفه. وهذا بصيغة الجزم ووصله الخطيب في (الجامع) والبيهقي في (المدخل) من طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة.
80 حدثنا عمران بن ميسرة قال: حدثنا عبد الوارث عن أبي التياح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا).
.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عمران، بكسر العين: ابن ميسرة، بفتح الميم، ضد الميمنة: أبو الحسن المنقري البصري، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التيمي البصري، وقد تقدم. الثالث: أبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف والحاء المهملة: اسمه يزيد بن زيادة بن حميد الضبعي، من أنفسهم، وليس في الكتب الستة من يشترك معه في هذه الكنية، وربما كنى بأبي حماد، وهو ثقة ثبت صالح: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى عنه الجماعة. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة: ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن إسناده رباعي.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن عمران بن ميسرة، ومسلم في القدر عن شيبان بن فروخ، والنسائي في العلم عن عمران بن موسى القزاز، ثلاثتهم عن عبد الوارث عنه به.
بيان اللغات: قوله: (من أشراط الساعة)، بفتح الهمزة: أي: علاماتها، وهو جمع شرط، بفتح الشين والراء، وبه سميت: شرط السلطان، لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها. وقد مر زيادة الكلام فيه في الإيمان. قوله: (ويثبت الجهل)، من الثبوت، بالثاء المثلثة وهو ضد النفي. وفي رواية لمسلم: (ويبث)، من البث، بالباء الموحدة والثاء المثلثة. وهو الظهور والفشو. وقال بعضهم: وغفل الكرماني فعزاها إلى البخاري، وإنما حكاها النووي في (شرح مسلم). قلت: لم يقل الكرماني: وفي رواية للبخاري، ولا قال: روى، وإنما قال: وفي بعض النسخ: يبث من البث، وهو النشر، ولا يلزم من هذه العبارة نسبته إلى البخاري، لأنه يمكن أن تكون هذه الرواية من غير البخاري وقد كتب في كتابه، وكذا قال الكرماني: وفي بعضها: ينبت من النبات، بالنون. والمعترض المذكور أيضا، وليست هذه في شيء من الصحيحين قال ولا يلزم من عدم اطلاعه على ذلك نفيه بالكلية، وربما ثبت ذلك عند أحمد من نقله (الصحيحين)، فنقله ثم جعل ذلك نسخة، والمدعي بالفن لا يقدر على إحاطة جميع ما فيه، ولا سيما علم الرواية، فإنه علم واسع لا يدرك ساحله. قوله: (ويشرب الخمر) قال بعضهم: المراد كثرة ذلك واشتهاره، ثم أكد كلامه بقوله: وعند المصنف في النكاح من طريق هشام عن قتادة: (ويكثر شرب الخمر). أو العلامة مجموع ذلك. قلت: لا نسلم أن المراد كثرة ذلك، بل شرب الخمر مطلقا هو جزء العلة من أشراط الساعة، وقوله في الرواية الأخرى: (ويكثر شرب الخمر) لا يستلزم أن يكون نفي مطلق الشرب من أشراطها، لأن المقيد بحكم لا يستلزم نفي الحكم المطلق، والأصل إجراء كل لفظ على مقتضاه، ولا تنافي بين حكم يمكن حصوله معلقا بشرط تارة، وبغيره أخرى، ونظيره: الملك، فإنه يوجد بالشراء وغيره، وهذا القائل أخذ ما قاله من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: شرب الخمر كيف يكون من علاماتها، والحال أنه كان واقعا في جميع الأزمان، وقد حد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الناس لشربه إياها؟ قلت: المراد منه أن يشرب شربا فاشيا، أو أن نقس الشرب وحده ليس علامة، بل العلامة مجموع الأمور المذكورة. قلت: هذا السؤال غير وارد لأنه لا يلزم من وقوعها في جميع الأزمان، وحد النبي، عليه الصلاة والسلام، شاربها أن لا يكون من علامات الساعة. نعم قوله: بل العلامة مجموع الأمور المذكورة هو كذلك، لأنه، عليه الصلاة
(٨٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 ... » »»