عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ٦٩
ولا يقال: أتانة. وحكى يونس وغيره: أتانة، وقال الجوهري: الأتان الحمارة ولا يقال: أتانة. وثلاث أتن مثل: عناق وأعنق، والكثير اتن واتن، والمأتونا الاتن مثل، المعبورا. قوله: (ناهزت الاحتلام)، أي: قاربت يقال: ناهز الصبي البلوغ إذا قاربه وداناه. قال صاحب (الأفعال): ناهز الصبي الفطام دنا منه، ونهز الشيء أي: قرب، وقال شمر: المناهزة المبادرة، فقيل للأسد: نهز، لأنه يبادر ما يفترسه، والنهزة بالضم: الفرصة. ونهزت الشيء دفعته، ونهزت إليه: نهضت إليه. والاحتلام: البلوغ الشرعي، وهو مشتق من الحالم بالضم، وهو ما يراه النائم. قوله: (بمنى)، مقصور: موضع بمكة تذبح فيه الهدايا وترمى فيه الجمرات. قال الجوهري: مذكر مصروف؛ قلت: لأنه علم للمكان فلم يوجد فيه شرط المنع. وقال النووي: فيه لغتان: الصرف والمنع، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سميت بها لما يمنى بها من الدماء أي: تراق. قوله: (ترتع)، بتاءين مثناتين من فوق مفتوحتين وضم العين أي: تأكل ما تشاء، من: رتعت الماشية ترتع رتوعا. وقيل: تسرع في المشي وجاء أيضا، بكسر العين على وزن تفتعل، من: الرعي: وأصله: ترتعي، ولكن حذفت الياء تخفيفا، والأول أصوب ويدل عليه رواية البخاري في الحج: نزلت عنها فرتعت.
بيان الإعراب: قوله: (أقبلت) جملة من الفعل والفاعل. قوله: (راكبا) نصب على الحال. (وعلى حمار) يتعلق به قوله: (أتان): صفة للحمار أو بدل منه. فإن قلت: من أي قسم من أقسام البدل؟ قلت: قيل: إنه بدل غلط، وقال القاضي: وعندي أنه بدل البعض من الكل، إذ قد يطلق الحمار على الجنس فيشمل الذكر والأنثى، كما قالوا: بعير. وقال النووي والقرطبي وغيرهما أيضا: إن الحمار اسم جنس للذكر والأنثى، كلفظة الشاة والإنسان. وقال الشيخ قطب الدين في بعض طرقه: على حمار، أراد به الجنس ولم يرد الذكورة، وفي بعضها: أتان. وجمع البخاري بينهما، فقال: (على حمار أتان). وقال القاضي: وجاء في البخاري (على حمار أتان)، بالتنوين فيهما، إما على البدل أو الوصف. وقد ذكرناه، وروي: (على حمار أتان)، بالإضافة، أي: حمار أنثى، كفحل اتن. وقال ابن الأثير: إنما استدرك الحمارة بالأنثى ليعلم أن الأنثى من الحمر لا تقطع الصلاة، فكذلك لا تقطعها المرأة. وقال الكرماني: فإن قلت: لم قال: على حمارة، فيستغني عن لفظ: أتان؟ قلت: لأن التاء في حمارة يحتمل أن تكون للوحدة وللتأنيث فلا تكون نصا في الأنوثة. قلت: هنا قرينة تدل على ترجيح المراد بأنوثته فلا يقع الجواب موقعه، والأحسن أن يقال في الجواب: إن الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين، كما نقلناه عن الصغاني عن قريب، فلو قال: على حمارة، ربما كان يفهم أنه أقبل على فرس هجين، وليس الأمر كذلك، على أن الجوهري حكى أن الحمارة في الأنثى شاذ. قوله: (وأنا يومئذ)، الواو: فيه للحال و: أنا، مبتدأ وخبره قوله: (قد ناهزت الاحتلام). قوله: (ورسول الله) صلى الله عليه وسلم الواو: فيه للحال، وهو مبتدأ وخبره قوله: (يصلي). قوله: (بمنى)، نصب على الظرف. قوله: (إلى غير جدار) في محل النصب على الحال، وفيه حذف تقديره: يصلي غير متوجه إلى جدار. قوله: (وأرسلت)، عطف على: مررت، و: الأتان، بالنصب مفعوله. قوله: (ترتع) جملة في محل النصب على الحال من الأحوال المقدرة، والتقدير: مقدرا رتوعها. قوله: (ودخلت)، بالواو عطف على: (أرسلت). وفي رواية الكشميهني: (فد خلت)، وبالفاء التي للتعقيب. قوله: (فلم ينكر) على صيغة المعلوم، أي: فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك علي، وروي بلفظ المجهول: أي لم ينكر أحد لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره ممن كانوا معه.
بيان المعاني: قوله: (أقبلت راكبا على حمار)، وزاد البخاري فيه في الحج: (أقبلت أسير على أتان حتى صرت بين يدي الصف ثم نزلت عنها). ولمسلم: (فسار الحمار بين يدي بعض الصف). قوله: (إلى غير جدار) يعني: إلى غير سترة. فإن قلت: لفظة إلى غير جدار، لا ينفي شيئا غيره، فكيف يفسر، بغير سترة؟ إخبار ابن عباس عن مروره بالقوم وعن عدم جدار، مع أنهم لم ينكروا عليه، وأنه مظنة إنكار يدل على حدوث أمر لم يعهد قبل ذلك، من كون المرور مع السترة غير منكر، فلو فرض سترة أخرى غير الجدار لم يكن لهذا الإخبار فائدة. قوله: (بين يدي بعض الصف): هو مجاز عن القدام، لأن الصف لا يد له، وبعض الصف يحتمل أن يكون المراد به صف من الصفوف، أو بعض من الصف الواحد، يعني المراد به: إما جزء من الصف، وإما جزئي منه. قوله: (ناهزت الاحتلام) قال الشيخ تقي الدين: فيه معنى يقتضي تأكيد الحكم، وهو عدم بطلان الصلاة بمرور الحمار، لأنه استدل على ذلك بعدم الإنكار، وعدم الإنكار على من هو في مثل هذا السن أدل على هذا الحكم، فإنه لو كان في سن عدم التمييز لاحتمل أن يكون عدم الإنكار عليه لعدم مؤاخذته لصغر سنه، فعدم الإنكار دليل على جواز المرور،
(٦٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 ... » »»