الغدير - الشيخ الأميني - ج ٦ - الصفحة ٣١٩
أنه أقام عليه الحد ثانيا زيادة لم تفوض إليه لما ذكرناه من أن الحد كفارة ولا يسأل بعده المحدود عن ذنبه فلا حد ولا تعزير، ولا بأس ولا تأديب.
ثم إن صح التعزير فإنه لا يزيد في السنة على عشرة أسواط كما مر في ص 175 فلماذا ساوى بينه وبين الحد؟.
وأعطف على هذا أمره عمرو بن العاص بأن يبعث ولده على قتب في عباءة فدخل عليه ولم يستطع المشي من مركبه، فإن كل ذلك إيذاء درأه الحد ولم يبحه الشرع.
ثم لماذا لم يكن له مرتدع عن تأجيل ما ارتآه من الحد الجديد بمرضه ولم يرجأه حتى يبرأ، وهو حكم المريض المحدود في السنة الشريفة.
وإن تعجب بعد ذلك كله فعجب قول ابن الجوزي في سيرة عمر من إنه لا ينبغي أن يظن بعبد الرحمن بن عمر إنه شرب الخمر، وإنما شرب النبيذ متأولا وظن أن ما شرب منه لا يسكر، وكذلك أبو سروعة وأبو سروعة من أهل بدر فلما خرج بهما الأمر إلى السكر طلبا التطهير بالحد، وقد كان يكفيهما مجرد الندم على التفريط غير أنهما غضبا لله سبحانه على أنفسهما المفرطة فأسلماها إلى إقامة الحد، وأما كون عمر أعاد الضرب على ولده فليس ذلك حدا وإنما ضربه غضبا وتأديبا وإلا فالحد لا يكرر. إنتهى بلفظه.
وإن صحت هذه المزعمة يوجه النقد إلى عمرو وعمر إن علما ذلك وإلى نفس المحدودين حيث عرضا أنفسهما على الحد من دون أي موجب له وكان يكفيهما الندم كما حسبه ابن الجوزي، والحق إنه لا حاجة إليه أيضا لأنهما لم يقترفا ذنبا بعد اعتقاد أنه لا يسكر فلا توبة عنه، وإن كان كامل الإيمان يتضجر عن مثله وعلى هذا فإنهما لا يملكان لأنفسهما أن يعرضا ها على هذا الايلام الشديد والاضرار المؤلم إن لم يكن ذلك تشريعا. لكن من أين أتت ابن الجوزي هذه الرؤيا الصادقة؟ فأراد تبرئة الرجلين مما اجترحاه من السيئة مع اعترافهما بذلك بكل صراحة فألقاهما في هوة الإضرار بالنفس المحظور شرعا، والتشرع في الدين المحرم، والكذب الصراح الذي هو من الكبائر، والحق بمن أقام الحد أو لاتبعة إقامته من دون موجب له، والغضب الذي عزاه إلى الخليفة في حده الثاني سواء كانا شربا الخمر كما اعترفا به أو لم يشرباها على ما تحمله ابن الجوزي، وشذ به عن أئمة الحديث ورجال التاريخ، وذلك واضح من هذا البيان الضافي.
(٣١٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 314 315 316 317 318 319 320 321 322 323 324 ... » »»