الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي - حسن الأمين - الصفحة ٢٩٩
والمسلمة الرابعة تقرر حقيقة تساوي الزوايا القائمة وجعلها مقياسا تقاس الزوايا به وتنسب إليه. أما المسلمة الخامسة فهي نظرية يتحقق فيها التقاء مستقيمين مرسومين على سطح واحد إذا تحقق شرط محدد. وإذا كان المقصود بالمسلمة هو أنها قول أو حكم أو فرض يمكن قبوله والتسليم بصحته من دون حاجة إلى برهان، فإن هذا المفهوم يمكن أن ينطبق على المسلمات الأربع الأولى، لكنه يحاط بالغموض والشك في ما يتعلق بالمسلمة الخامسة التي كانت هدفا لنقد علماء الرياضيات منذ ظهورها، ورفضوا اعتبارها من القضايا التي يجوز التسليم بها دون برهان، فقد يسلم المرء بأن في إنقاض الزاويتين الداخلتين عن قائمتين ما يستلزم بالضرورة تقارب الخطين من جهة هاتين الزاويتين، لكن هذا وحده لا يكفي للجزم بأن الخطين لا بد ملتقيان في نقطة ما. إذ من المعلوم أن هناك خطوطا هندسية يقترب الواحد منها نحو الآخر باستمرار من دون أن يلتقيا أبدا مثل القطع الزائد والخطين المقاربين له.
إذن فالمسلمة الخامسة لإقليدس ما هي إلا فرض راجح الصدق، ولما كان رجحان الصدق لا يكفي للإقناع في الرياضيات والهندسة فلا مفر من البرهنة عليها. وبعد ترجمة كتاب إقليدس إلى العربية تصدى لشرح هذه المسلمة وبرهانها كثيرون مثل البيروتي وثابت بن قرة والحسن بن الهيثم وعمر الخيام ونصر الدين الطوسي والجوهري وغيرهم.
إن تناول علماء المسلمين لنظرية الخطوط المتوازنة، أو المسلمة الخامسة لأقليدس يعكس طريقتهم العلمية في البحث العلمي، وعني ابن الهيثم، على سبيل المثال، بشرح مصادرات (مسلمات) إقليدس، ويعتبر كتباه " حل شكوك إقليدس في الأصول وشرح معانيه " من أهم المؤلفات التراثية التي أثارت العديد من المجادلات والمناقشات العلمية وفتحت الباب المزيد من التأليف في هذا المجال الخصب من المعرفة. ويوضح ابن الهيثم منهجه العلمي في مقدمة كتابه بقوله: " كل معنى تغمض حقيقته، وتخفى بالبديهة خواصه، ويشك به في بعض أحواله، فالشك متسلط عليه وللمعاند والمشكك طريق مقنع إلى معاندته والطعن عليه، وخاصة العلوم العقلية والمعاني البرهانية، إذ العقل والتمييز مشترك لجميع الناس، وليس جميعهم متساوي الرتبة فيها، وليس يذعن واحد من الناس لغيره فيما يدعي صحته بالقياس، ولا تصح دعواه في نفسه إلا بعد أن يصح له ذلك المعنى بقياسه وتمييزه الذي استأنفه هو وتشكك صحته في عقله، والمصادرات (أي المسلمات والبديهيات) تنقسم إلى ثلاثة أقسام: المسلم به والمبين بالقياس والمحدود، كل مسلم به يحتمل التشكك، أما المبين بالقياس فيمكن أن يشكك بمقدمات قياسه، وأما المحدود فيمكن التشكك والطعن في حدوده، وإن كتاب إقليدس في الأصول هو الغاية التي يشار إليها في صحة البراهين والمقاييس ومع ذلك لم يزل الناس قديما وحديثا يتشككون في كثير من معاني هذا الكتاب وكثير من مقاييسه ".
ويشار إلى سمة مهمة من سمات الشخصية العلمية الحقيقية التي يتمتع بها ابن الهيثم، وتتمثل
(٢٩٩)
مفاتيح البحث: الصدق (1)، الجواز (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 » »»