الحاشية على الكشاف - الشريف الجرجاني - الصفحة ٧٠
الوصف بالسلامة عن الغضب والضلال بعد إثبات الإيمان تأكيدا لا تقييدا، اللهم إلا إذا حمل الإيمان على مجرد التصديق إما وحده أو مع الإقرار كما ذهب إليه غيره (قوله لا توقيت فيه) أي لا تعيين، يقال وقت: إذا حدد وعين، فإن تعيين الحوادث بالأوقات: أي لم يرد بالذين أنعمت عليهم قوم بأعيانهم فإن الموصول في حكم المعرف باللام، فإذا أريد به الجنس من حيث وجوده في ضمن بعض أفراده لا بعينه كان في المعنى كالنكرة وهو المسمى بالمعهود الذهني، فتارة ينظر إلى معناه فيعامل معاملة النكرة كالوصف بالنكرة وبالجملة، وأخرى إلى لفظه فيوصف بالمعرفة ويجعل مبتدأ وذا حال. فإن قلت: ذكر أولا أنهم المؤمنون مطلقا ثم نقل أنهم أصحاب موسى صلى الله عليه وسلم قبل تحريف التوراة وتغيير أحكامها أو الأنبياء فهو على الأخيرين عهد خارجي تقديري فيكون معينا، وعلى الأول مستغرق للكل، وهو أيضا أمر معين لا تعدد فيه أصلا فليس هناك معنى لا توقيت فيه.
قلت: يحتمل أن يريد بالمؤمنين طائفة منهم لا بأعيانهم، فإذا حمل على الاستغراق كما هو الظاهر من السياق تعين أن ما في الجواب وجه رابع هو العهد الذهني كما يدل عليه تشبيه بقول الشاعر، وقيل الكل لكثرته لا يحيط العلم بحصره فأشبه المنكر فعومل معاملته، وهذا مع أنه إحداث قول بلا ثبت في الاستعمال يدفعه ذلك التشبيه دفعا ظاهرا (قوله على اللئيم) لم يرد الكل إذ لا مرور عليه، ولا فرد معين إذ لا دلالة عليه ولقصوره عن إفادة ما هو المقصود من وصفه بكمال الحلم وقوة الأناة ولا الحقيقة من حيث هي إذ لا يناسبها المرور، بل هي باعتبار وجودها في ضمن فرد بعينه أي على لئيم. والجملة صفة له لا حال منه، فإن المعنى ليس على تقييد المرور بحال السب بل على أن له مرورا مستمرا في أوقات متعاقبة على لئيم من لالئمام اتخذ سبه دأبا ومع ذلك يعرض عنه صفحا، فإنه أدل على إغضائه عن السفهاء وإعراضه عن الجاهلين وتمامه * فمضيت ثمت قلت لا يعنيني * أي فأمضى ثم أقول على قصد الاستمرار كما في قوله ولقد أمر، وإنما عدل إلى صيغة الماضي تحقيقا لاتصافه بالحلم والإغضاء وثمة حرف عطف لحقتها التاء، قيل وذلك مخصوص بعطف الجمل. ومعنى ثم التراخي في الرتبة: أي قضيت ولم أشتغل بمكافأته وترقيب إلى مرتبة أعلى. وقلت: لا يعنيني بالسب فكأنه ينسى نفسه تلك الحالة ويصورها بصورة أخرى تكرما، وذلك غاية التؤدة والوقار والتباعد عن لحقوق العار (قوله ولأن المغضوب عليهم) عطف بحسب المعنى على ما تقدم: أي صح ذلك لأن الذين أنعمت عليهم لا توقيت فيه، ولأن المغضوب عليهم أجاب أولا بأن الموصوف نكرة معنى. وثانيا بأن الصفة معرفة، فعلى الأول يجب أن يحمل المغضوب عليهم، والضالين على اليهود والنصارى كما سينقله ليبقى غير على إبهامه نكرة مثل موصوفه فيظهر التشبيه باللئيم يسبني، وعلى الثاني يجب أن يحمل على مطلق المغضوب عليهم والضالين ليكون المضاف مشتهرا بمغايرة المضاف إليه فيتعرف غير، ويكون الموصوف حينئذ محمولا على الوجه الثلاثة المذكورة أولا فيتوافقان تعريفا لفظا ومعنى. وجاز أيضا أن يراد بالموصوف مالا توقيت فيه على ما مر، ويوصف بالمعرفة نظرا إلى لفظة وبعض المتضلعين بكشفه عن أسرار الكتاب طرا وإحاطته بما فيه خبرا تحير في تحقيق المقام فتشبث بأذيال قائلا: إن حاصل الجواب أنا
(٧٠)
مفاتيح البحث: الغضب (1)، السب (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 ... » »»