مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) - الشيخ جعفر السبحاني - ج ١٠ - الصفحة ٣١
فما أروع هذا التشبيه حيث إن الراكب المنبت وإن كان يعدو بفرسه أميالا عديدة بغية الوصول إلى غايته، ولكنه بفعله هذا ينتج عكس المطلوب حيث إن المركوب يعييه التعب ولا يكون بمقدوره الاستمرار في العدو، ويبقى هو في وسط الطريق لا يهتدي إلى بغيته، فهو لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى.
فهكذا الدعوة إلى الشريعة إذا كانت مقرونة بالشدة والضعف تنتج عكس المطلوب حيث لا تجد لها أذنا صاغية، بل يخرج الناس منها أفواجا. ولأجل ذلك صدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسهولة شريعته، وقال: " بعثت بالشريعة السهلة السمحة ". (1) 10 - دلت الآيات القرآنية على أن التكليف على القدر المستطاع وقد أطبق عليه العقل والنقل، إذ كيف يمكن تكليف الناس بأعمال، كإدخال الشئ الكبير في الظرف الصغير، من دون تغير في الظرف والمظروف؟ أو التحليق في الهواء دون وسيلة، إلى غير ذلك من الأمور الممتنعة التي تدخل في نطاق التكليف بما لا يطاق، حتى أن محققي العدلية ذهبوا إلى أن هذا النوع من التكليف المحال، بمعنى أنه لا ينقدح في ذهن الآمر، الطلب والإرادة الجدية المتعلقة ببعث العاجز إلى المطلوب، ولو تظاهر به فإنما تظاهر بظاهر التكليف لا بواقعه.
فتكون النتيجة: أن امتناع المكلف به يلازم امتناع نفس التكليف أيضا، يقول سبحانه: * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) *. (2) وقال في آية أخرى: * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) *. (3) ومضمون كلتا الآيتين واحد، وهو أن الله يكلف الإنسان بقدر طاقته وقابليته.
هذه نماذج استعرضناها لإثبات أن التشريع الإسلامي يتمتع بمرونة، وأنه مبني على أساس العدل.
وفي الحقيقة أن التشريع الإسلامي من مظاهر عدله في هذا المجال.

(١) سفينة البحار: ١ / ٦٩٥.
(٢) البقرة: ٢٨٦.
(٣) الطلاق: ٧ -
(٣١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 ... » »»