مفاهيم القرآن (العدل والإمامة) - الشيخ جعفر السبحاني - ج ١٠ - الصفحة ٣٢
* الأشاعرة والتكليف بما لا يطاق ذهب لفيف من متكلمي الإسلام - وللأسف الشديد - إلى جواز التكليف بما لا يطاق، ولم يصغوا لنداء العقل ولا الشرع، بل أهالوا التراب على فطرتهم القاضية بعدم صحة التكليف بما لا يطاق.
وقد اتخذوا ظواهر بعض الآيات ذريعة لعقيدتهم في هذا المجال، وها نحن نستعرض تلك الآيات ونناقشها كي يتجلى الحق.
1 - * (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون * أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) *. (1) استدل الإمام أبو الحسن الأشعري (260 - 324 ه‍) على أنهم كانوا مكلفين بالسماع والإبصار ومع ذلك ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، فدل على جواز التكليف بما لا يطاق.
وهذا الاستدلال يتبدد بالتوضيح التالي:
وهو أنهم وإن كانوا مأمورين مكلفين بالسماع والإبصار ومع ذلك كانوا عاجزين عنهما لكن ذلك العجز لم يكن مقرونا بهم منذ بلوغهم وتكليفهم، وإنما أدى بهم التمادي في المعصية إلى أن صاروا فاقدين للسمع والأبصار، فقد سلبت عنهم هذه النعم بسوء اختيارهم نتيجة الذنوب التي اقترفوها، فكان لهم قلوب لا يفقهون بها، وآذان لا يسمعون بها، يقول سبحانه: * (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم

(١) هود: ١٩ - 20.
(٣٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 ... » »»