مشارق أنوار اليقين - الحافظ رجب البرسي - الصفحة ١١٨
ثم عطف على من لا يعقل فقال: وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)، ثم قال: ﴿إنه كان حليما غفورا﴾ (1)، أخبر سبحانه أن كل شئ يسبح لربه بلسان الحال ولسان المقال، ولكن لسان المقال منه مستور عنكم لم يلزمكم الله بمعرفته، لأن العفو هو الستر فلو كشف الستر عنه عرفتموه مثل تسبيح الحصى بكف رسول الله صلى الله عليه وآله وإذا نطق الحصى الصوان بلسان المقال فلم لا ينطق الجري وهو حيوان، وقوله: إنه كان حليما غفورا، يعني أن سائر المخلوقات غير المكلفين يسبحون ولا يسأمون، وأنتم مع وجوب التكليف عليكم تنسون وتسأمون، وهو مع جهلكم وسهوكم، حليم عنكم وغفور لكم.
ومن ذلك ما رواه عبيد السكسكي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام لما قدم من صفين وقف على شاطئ الفرات، وأخرج قضيبا أخضر وضرب به الفرات، والناس ينظرون إليه فانفجرت اثنتي عشرة عينا كل فرق كالطود العظيم ثم تكلم بكلام لم يفهموه، فأقبلت الحيتان رافعة أصواتها بالتهليل والتكبير، وقالت: السلام عليك يا حجة الله في أرضه وعين الله الناظرة في عباده خذلك قومك كما خذل هارون بن عمران قومه، فقال لأصحابه: سمعتم؟
فقالوا: نعم، فقال هذه آية لي وحجة عليكم (2).
ومن ذلك من قضاياه الغريبات وحله للمشكلات، أن رجلا حضر مجلس أبا بكر فادعى أنه لا يخاف الله ولا يرجو الجنة ولا يخشى النار، ولا يركع ولا يسجد، ويأكل الميتة والدم ويشهد بما لم ير ويحب الفتنة، ويكره الحق ويصدق اليهود والنصارى، وأن عنده ما ليس عند الله وله ما ليس لله، وأنا أحمد النبي وأنا علي وأنا ربكم، فقال له عمر: ازددت كفرا على كفرك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:
هون عليك يا عمر، فإن هذا رجل من أولياء الله لا يرجو الجنة، ولكن يرجو الله ولا يخاف النار، ولكن يخاف ربه ولا يخاف الله من ظلم، ولكن يخاف عدله لأنه حكم عدل، ولا يركع ولا يسجد في صلاة الجنازة ويأكل الجراد والسمك، ويحب الأهل والولد ويشهد بالجنة والنار، ولم يرهما ويكره الموت وهو الحق، ويصدق اليهود والنصارى في تكذيب بعضهم بعضا، وله ما ليس لله لأن له ولدا وليس لله ولد، وعنده ما ليس من عند الله، فإنه يظلم نفسه وليس عند الله ظلم، وقوله: أنا أحمد

(١) الإسراء: ٤٤ - 45.
(2) بحار الأنوار عن الخرائج: 33 / 46 ح 391.
(١١٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 112 113 115 116 117 118 119 120 121 122 123 ... » »»