تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون - ج ١ - الصفحة ٥٧٩
يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلمية والعبارات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة والنازلة عن الطبقة لان العبارات عن القوانين والعلوم لا حظ لها في البلاغة فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلونت به النفس جاءت الملكة الناشئة عنه في غاية القصور وانحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم وهكذا نجد شعر الفقهاء والنحاة والمتكلمين والنظار وغيرهم من لم يمتلئ من حفظ النقي الحر من كلام العرب. أخبرني صاحبنا الفاضل أبو القاسم بن رضوان كاتب العلامة بالدولة المرينية قال ذكرت يوما حاصبنا أبا العباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن وكان المقدم في البصر باللسان لعهده فأنشدته مطلع قصيدة ابن النحوي ولم أنسبها له وهو هذا لم أدر حين وقفت بالأطلال * ما الفرق بين جديدها والبالي فقال لي على البديهة هذا شعر فقيه فقلت له ومن أين لك ذلك فقال من قوله ما الفرق إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من أساليب كلام العرب فقلت له لله أبوك إنه ابن النحوي. وأما الكتاب والشعراء فليسوا كذلك لتخيرهم في محفوظهم ومخالطتهم كلام العرب وأساليبهم في الترسل وانتقائهم لهم الجيد من الكلام ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة فقلت له أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته مع بصري به وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث وفنون من كلام العرب وإن كان محفوظي قليلا وإنما أتيت والله أعلم من قبل ما حصل في حفظي من الاشعار العلمية والقوانين التأليفية فإني حفظت قصيدتي الشاطبي الكبرى والصغرى في القراءات وتدارست كتابي ابن الحاجب في الفقه والأصول وجمل الخونجي في المنطق وبعض كتاب التسهيل وكثيرا من قوانين التعليم في المجالس فامتلأ محفوظي من ذلك وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب تعاق القريحة عن بلوغها فنظر إلي ساعة معجبا ثم قال لله أنت وهل يقول هذا إلا مثلك. ويظهر لك من هذا الفصل وما تقرر فيه سر آخر وهو إعطاء السبب في أن كلام الاسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة وأذواقها
(٥٧٩)
مفاتيح البحث: القرآن الكريم (2)، السب (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 574 575 576 577 578 579 580 581 582 583 584 ... » »»