العثمانية - الجاحظ - الصفحة ٢٠٠
فلما انتهى إليه أمرهم، وعرف جميع ما عليه طبائعهم وعللهم، وطبائع أتباعهم، لم يكن شئ أهم إليه من البدار إليهم قبل أن يستفحل الشر، ويتمكن العزم. فمر حثيثا وتبعه عمر، ولحقه أبو عبيدة في نفر من قريش، فيمر بالناس حلقا عزين وهم يبكون ويتحدثون، فيقبل عليهم فيقول: أنتم جلوس تفركون أعينكم وفى الاسلام العسا البدار، وقيل البوار (1).
فلو لم يتداركهم بحيطته ويقظته وصدق حسه، وأبطأ عنهم ريثما كانوا يتطارحون الرأي، ويستثيرون دفين الحسد حتى يتمكن ذلك الحسد، وتتمثل لهم صورة الظفر، فلو هجم عليهم أبو بكر في ضعف من بالمدينة من قريش، لم يكن في طاقتهم دفعهم، والدار دارهم، والبلاد بلادهم والبادية باديتهم، ومن فيها تبع لهم، فكان من صنيع الله أن كان هو الذائد والقائم. والحارس، والعاطف والمداوى، ولم يكلهم الله إلى نظرهم واختيارهم، فيكون ذلك فسادهم وهلكتهم.
فإن قالوا: فما معنى قول أبو بكر للأنصار حين أتاهم: " إن هذا الامر ليس بخلسة، قد علمتم معشر قريش [أنا] أكرم العرب أحسابا، وأيقنها أنسابا، وأنا عترة النبي صلى الله عليه وأصله، والبيضة التي تفقأت عنه "؟
فلم يذكر أبو بكر قريشا وأحسابها وعترة النبي صلى الله عليه والبيضة التي تفقأت عنه، إلا وهو يرى أن له عليهم بهذا من الفضل ما ليس لهم، ومن السبب إلى الخلافة ما ليس لهم. فقد ينبغي أن يكون لبنى هاشم على هذا القياس من الفضل والسبب ما ليس لبنى تيم.

(1) كذا في الأصل.
(٢٠٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 ... » »»