العثمانية - الجاحظ - الصفحة ١٩٥
وإجماع الناس كلهم على الصواب أمر لا ينال، ولكن إذا كانت الأمة قد أطبقت على طاعة رجل على غير الرغبة والرهبة، ثم لم يكن اغترارا ولا إغفالا، فلس في شذوذ رجل ولا رجلين دلالة على انتقاض أمره، وفساد شأنه.
وليس يحتج بهذا وشبهه إلا رجل جاهل بطبائع الناس وعللهم، ولو كان هذا وشبهه ناقضا لامامة أبى بكر. كانت إمامة على أنقض وأفسد، لان الدنيا انكفت بأهلها عليه (1) وماجت بساكنيها...
من ولايته، وتداعت من أقطارها، تريد محاربته، حتى لقد نازعه فيها من ليس في مثل حاله ولا شرف موضعه، ولا في فضيلة دينه فناهضه الحرب، ونازله القتال... بيعته، والتج (2) عليه الخلاف من أهل طاعته، وموضع الجد في عسكره، فرد بأسه في أصحابه، وصرف كيده إلى جنده، وجلس خلى الذرع، رضى البال، [في] عجب الفاتن وسرور المخادع، وعز المصيب، وبأو الأريب (3). ثم بعث رسولا قد اختاره بالحكم عليه وله، وبعث خصمه رسولا قد اختاره بالحكم عليه وله.
فكان رسوله المخدوع ورسول خصمه المخادع، ثم رجعت الأمور إلى خصمه، وانتزعت منه ومن ولده مرة بالبطش، ومرة بالحيلة.
ثم كان يرى من خلاف أصحابه واضطراب جنده وتبديل أصحابه مثل ما يرى خصمه من طاعة خاصته. ونصرة جنده، وثبات عهد أصحابه، فلم يكن ذلك عارا عندنا ولا عندكم على على، ولا دليلا على نقص رأيه،

(1) في الأصل: " على ".
(2) التج: اختلط. في الأصل " والفح ".
(3) البأو: الكبر والفخر.
(١٩٥)
مفاتيح البحث: الجهل (1)، القتل (1)، الحرب (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 ... » »»