العثمانية - الجاحظ - الصفحة ٣٠٥
وهل يدل تأمل حال علي عليه السلام مع الانصاف إلا على أنه أسلم، لأنه شاهد الاعلام ورأى المعجزات وشم ريح النبوة، ورأى نور الرسالة، وثبت اليقين في قلبه بمعرفة وعلم ونظر صحيح، لا بتقليد ولا حمية، ولا رغبة ولا رهبة إلا فيما يتعلق بأمور الآخرة.
(4) ص 22 من العثمانية ينبغي أن ينظر أهل الانصاف هذا الفصل ويقفوا على قول الجاحظ (1) والأصم في نصرة العثمانية، واجتهادهما في القصد إلى فضائل هذا الرجل وتهجينها، فمرة يبطلان معناها، ومرة يتوصلان إلى حط قدرها. فلينظر في كل باب اعترضا فيه أين بلغت حيلتهما؟ وما صنعا في احتيالهما في قصصهما وسجعهما؟ أليس إذا تأملتها علمت أنها ألفاظ ملفقة بلا معنى، وأنها عليها شجى وبلاء، وإلا فما عسى أن تبلغ حيلة الحاسد ويغنى كيد الكائد الشانئ لمن قد جل قدره عن النقص، وأضاءت فضائله إضاءة الشمس.
وأين قول الجاحظ من دلائل السماء، وبراهين الأنبياء وقد علم الصغير والكبير، والعالم والجاهل ممن بلغه ذكر علي عليه السلام، وعلم مبعث النبي صلى الله عليه وآله أن عليا عليه السلام لم يولد في دار الاسلام، ولا غذى في حجر الايمان، وإنما استضافه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى نفسه سنة القحط والمجاعة. وعمره يومئذ ثماني سنين، فمكث معه سبع سنين حتى أتاه جبرئيل بالرسالة، فدعاه وهو بالغ كامل العقل إلى الاسلام، فأسلم بعد مشاهدة المعجزة، وبعد إعمال النظر والفكرة.
وإن كان قد ورد في كلامه أنه صلى سبع سنين قبل الناس كلهم فإنما يعنى ما بين الثمان والخمس عشرة، ولم يكن حينئذ دعوة ولا رسالة ولا ادعاء نبوة، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعبد على ملة إبراهيم ودين الحنيفية، ويتحنث ويجانب

(1) هذا ما في ط. وفى الأصل: " الأخرى ".
(٣٠٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 300 301 302 303 304 305 306 307 308 309 310 ... » »»