سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج ١٤ - الصفحة ٦٥
خزيمة، فقام الزاهد أبو عثمان الحيري، وجمع المحدثين في مسجده، وعلق بيده محبرة وتقدمهم، إلى أن جاء إلى خان محمش، فأخرج السري وأجلس المستملي، فحزرناه مجلسه زيادة على ألف محبرة، فلما فرغ قاموا وقبلوا رأس أبي عثمان، ونثر الناس عليهم الدراهم والسكر سنة ثلاث وسبعين ومئتين.
قلت: ذكر الحاكم أخبار أبي عثمان [في] خمس وعشرين ورقة، وفي غضون ذلك من كلامه في التوكل واليقين والرضي، قال الحاكم: وسمعت أبي يقول: لما قتل أحمد بن عبد الله الخجستاني الذي استولى على البلاد الام أم حيكان (1) بن الذهلي، أخذ في الظلم والعسف، وأمر بحربة ركزت على رأس المربعة (2)، وجمع الأعيان، وحلف: إن لم يصبوا الدراهم حتى يغيب رأس الحربة، فقد أحلوا دماءهم، فكانوا يقتسمون الغرامة بينهم، فخص تاجر بثلاثين ألف درهم، فلم يكن يقدر إلا على ثلاثة آلاف درهم، فحملها إلى أبي عثمان وقال: أيها الشيخ! قد حلف هذا كما بلغك، ووالله لا أهتدي إلا إلى هذه، قال: تأذن لي أن أفعل فيها ما ينفعك؟
قال: نعم، ففرقها أبو عثمان، وقال للتاجر: امكث عندي. وما زال أبو عثمان يتردد بين السكة والمسجد ليلته حتى أصبح، وأذن المؤذن، ثم قال لخادمه: اذهب إلى السوق، وانظر ماذا تسمع، فذهب، ورجع فقال: لم أر شيئا، قال: اذهب مرة أخرى، وهو في مناجاته يقول: وحقك لا أقمت ما لم تفرج عن المكروبين، قال: فأتى خادمه الفرغاني يقول: وكفى الله

(1) انظر التعليق رقم (1) من الصفحة 36.
(2) في " اللسان ": " والمربعة: خشيبة قصيرة يرفع بها العدل.. وقال الأزهري:
هي عصا تحمل بها الأثقال حتى توضع على ظهر الدواب ".
(٦٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 ... » »»