سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج ١٤ - الصفحة ٣٥
علي الثقفي عقله؟ فقال: ذاك عقل الصحابة والتابعين من أهل المدينة.
قيل: وكيف ذاك؟ قال: إن مالكا كان من أعقل أهل زمانه، وكان يقال: صار إليه عقل الذين جالسهم من التابعين، فجالسه يحيى بن يحيى النيسابوري، فأخذ من عقله وسمته، ثم جالس يحيى بن يحيى محمد بن نصر سنين، حتى أخذ من سمته وعقله، فلم ير بعد يحيى من فقهاء خراسان أعقل من ابن نصر، ثم إن أبا علي الثقفي جالسه أربع سنين، فلم يكن بعده أعقل من أبي علي.
قال عبد الله بن محمد الإسفراييني: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: كان محمد بن نصر بمصر إماما. فكيف بخراسان؟
وقال القاضي محمد بن محمد: كان الصدر الأول من مشايخنا يقولون: رجال خراسان أربعة: ابن المبارك، وابن راهويه، ويحيى بن يحيى، ومحمد بن نصر.
ومن كلام محمد بن نصر قال: لما كانت المعاصي بعضها كفرا، وبعضها ليس بكفر، فرق تعالى بينها، فجعلها ثلاثة أنواع: فنوع منها كفر، ونوع منها فسوق، ونوع منها عصيان، ليس بكفر ولا فسوق. وأخبر أنه كرهها كلها إلى المؤمنين، ولما كانت الطاعات كلها داخلة في الايمان، وليس فيها شئ خارج عنه، لم يفرق بينها، فما قال: حبب إليكم الايمان والفرائض وسائر الطاعات، بل أجمل ذلك فقال: (حبب إليكم الايمان) [الحجرات: 7] فدخل فيه جميع الطاعات، لأنه قد حبب إليهم الصلاة والزكاة، وسائر الطاعات حب تدين، ويكرهون المعاصي كراهية تدين، ومنه قوله عليه السلام: " من سرته حسنته، وساءته سيئته، فهو مؤمن " (1).

(1) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد في " مسنده ": 1 / 18، 26، والترمذي (2165) في الفتن: باب ما جاء في لزوم الجماعة من طريق محمد بن سوقة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا فقال: " أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب، حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة، من سرته حسنته، وساءته سيئته فذلك المؤمن ". وسنده صحيح، وصححه الحاكم: 1 / 114، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 ... » »»