أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٥٦٨
الكثيرة. قيل له: لما كانت الكفارة في رفع التحريم متعلقة بحرمة اللفظ أشبه اليمين، فمتى حلف مرارا لزمته لكل يمين كفارة إذا حنث، ولم يكن قوله: (فكفارته إطعام عشرة مساكين) [النساء: 23] موجبا للاقتصار بالأيمان الكثيرة على كفارة واحدة.
واختلفوا في المظاهر هل يجبر على التكفير؟ فقال أصحابنا: " لا ينبغي للمرأة أن تدعه يقربها حتى يكفر ". وذكر الطحاوي عن عباد بن العوام عن سفيان بن حسين قال:
سألت الحسن وابن سيرين عن رجل ظاهر من امرأته فلم يكفر تهاونا، قال: تستعدي عليه، قال: وسألت أبا حنيفة، فقال: تستعدي عليه. وقال مالك: " عليها أن تمنعه نفسها ويحول الإمام بينه وبينها ". وقول الشافعي يدل على أنه يحكم عليه بالتكفير. قال أبو بكر: قال أصحابنا: " يجبر على جماع المرأة فإن أبى ضربته "، رواه هشام، وهذا يدل على أنه يجبر على التكفير ليوفيها حقها من الجماع.
واختلفوا في الرقبة الكافرة عن الظهار، فقال عطاء ومجاهد وإبراهيم وإحدى الروايتين عن الحسن: " يجزي الكافر "، وهو قول أصحابنا والثوري والحسن بن صالح، وروي عن الحسن: " أنه لا يجزي في شئ من الكفارات إلا الرقبة المؤمنة "، وهو قول مالك والشافعي.
قال أبو بكر: ظاهر قوله: (فتحرير رقبة) يقتضي جواز الكافرة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم للمظاهر: " أعتق رقبة " ولم يشترط الإيمان، ولا يجوز قياسها على كفارة القتل لامتناع جواز قياس المنصوص بعضه على بعض، ولأن في إيجاب زيادة في النص وذلك عندنا يوجب النسخ.
واختلفوا في جواز الصوم مع وجود رقبة للخدمة، فقال أصحابنا: " إذا كانت عنده رقبة للخدمة ولا شيء له غيرها أو كان عنده دراهم ثمن رقبة ليس له غيرها لم يجزه الصوم "، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي. وقال الليث والشافعي: " من له خادم لا يملك غيره فله أن يصوم "، قال الله: (فتحرير رقبة) (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) فأوجب الرقبة بديا على واجدها ونقله إلى الصوم عند عدمها، فلما كان هذا واجدا لها لم يجزه غيره.
فإن قيل: هو بمنزلة من معه ماء يخاف على نفسه العطش فيجوز له التيمم. قيل له: لأنه مأمور في هذه الحال باستبقاء الماء وهو محظور عليه استعماله وليس بمحظور عليه عند الجميع عتق هذه الرقبة، فعلمنا أنه واجد.
واختلفوا في عتق أم الولد والمدبر والمكاتب ونحوهم في الكفارة، فقال أصحابنا:
(٥٦٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 563 564 565 566 567 568 569 570 571 572 573 ... » »»