أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٥٢١
ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون ". وقال المزني عن الشافعي: " للإمام أن يمن على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادي بهم ".
فأما المجيزون للفداء بأسرى المسلمين وبالمال فإنهم احتجوا بقوله: (فإما منا بعد و إما فداء)، وظاهره يقتضي جوازه بالمال وبالمسلمين، وبأن النبي صلى الله عليه وسلم فدى أسارى بدر بالمال، ويحتجون للفداء بالمسلمين بما روى ابن المبارك عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال: أسرت ثقيف رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واسر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عامر بن صعصعة، فمر به على النبي صلى الله عليه وسلم وهو موثق، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علام أحبس؟ قال: " بجريرة حلفائك " فقال الأسير: إني مسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو قلتها وأنت تملك أمرك لأفلحت كل الفلاح ".
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه أيضا، فأقبل فقال: إني جائع فأطعمني! فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" هذه حاجتك "، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما. وروى ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين: " أن النبي صلى الله عليه وسلم فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل " ولم يذكر إسلام الأسير وذكره في الحديث الأول. ولا خلاف أنه لا يفادى الآن على هذا الوجه، لأن المسلم لا يرد إلى أهل الحرب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط في صلح الحديبية لقريش أن من جاء منهم مسلما رده عليهم، ثم نسخ ذلك ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإقامة بين أظهر المشركين وقال: " أنا بريء من كل مسلم مع مشرك " وقال: " من أقام بين أظهر المشركين فقد برئت منه الذمة ". وأما ما في الآية من ذكر المن أو الفداء وما روي في أسارى بدر، فإن ذلك منسوخ بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) [التوبة: 29]، وقد روينا ذلك عن السدي وابن جريج، وقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة: 29].
فتضمنت الآيتان وجوب القتال للكفار حتى يسلموا أو يؤدوا الجزية، والفداء بالمال أو بغيره ينافي ذلك، ولم يختلف أهل التفسير ونقلة الآثار أن سورة براءة بعد سورة محمد صلى الله عليه وسلم، فوجب أن يكون الحكم المذكور فيها ناسخا للفداء المذكور في غيرها.
قوله تعالى: (حتى تضع الحرب أوزارها)، قال الحسن: " حتى يعبد الله ولا يشرك به غيره ". وقال سعيد بن جبير: " خروج عيسى ابن مريم عليه السلام فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويلقى الذئب الشاة فلا يعرض لها ولا تكون عداوة بين اثنين ".
وقال الفراء: " ايمانها وشركها حتى لا يكون إلا مسلم أو مسالم ". قال أبو بكر: فكان
(٥٢١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 516 517 518 519 520 521 522 523 524 525 526 ... » »»