تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٩ - الصفحة ٤٦
أتم التأدية وأبلغها قال تعالى: وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " البقرة: 124.
وما نقله الله سبحانه في الآيات التالية من صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام وإن لم يذكر في القرآن بعنوان أنه من صحفهما قبل هذه الآيات لكنه مذكور بعنوان الحكم والمواعظ والقصص والعبر فمعنى الآيتين: أم لم ينبأ بهذه الأمور وهي في صحف إبراهيم وموسى.
قوله تعالى: " ألا تزر وازرة وزر أخرى " الوزر الثقل وكثر استعماله في الاثم، والوازرة النفس التي من شأنها أن تحمل الاثم، والآية بيان ما في صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام، وكذا سائر الآيات المصدرة بأن وأن إلى تمام سبع عشرة آية.
والمعنى: ما في صحفهما هو أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى أي لا تتأثم نفس بما لنفس أخرى من الاثم فلا تؤاخذ نفس بإثم نفس أخرى.
قوله تعالى: " وأن ليس لانسان إلا ما سعى " قال الراغب: السعي المشي السريع وهو دون العدو، ويستعمل للجد في الامر خيرا كان أو شرا قال تعالى: " وسعى في خرابها ". انتهى واستعماله في الجد في الفعل استعمال استعاري.
ومعنى اللام في قوله: " للانسان " الملك الحقيقي الذي يقوم بصاحبه قياما باقيا ببقائه يلازمه ولا يفارقه بالطبع وهو الذي يكتسبه الانسان بصالح العمل أو طالحه من خير أو شر، وأما ما يراه الانسان مملوكا لنفسه وهو في ظرف الاجتماع من مال وبنين وجاه وغير ذلك من زخارف الحياة الدنيا وزينتها فكل ذلك من الملك الاعتباري الوهمي الذي يصاحب الانسان ما دام في دار الغرور ويودعه عند ما أراد الانتقال إلى دار الخلود وعالم الآخرة.
فالمعنى: وأنه لا يملك الانسان ملكا يعود إليه أثره من خير أو شر أو نفع أو ضر حقيقة إلا ما جد فيه من عمل فله ما قام بفعله بنفسه وأما ما قام به غيره من عمل فلا يلحق بالانسان أثره خيرا أو شرا.
وأما الانتفاع من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك سعى جميل حيث دخلوا في حضيرة الايمان بالله وآياته، وكذا استفادة المؤمن بعد موته من استغفار المؤمنين له، والأعمال الصالحة التي تهدي إليه مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين وتكثير سوادهم وتأييد إيمانهم الذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصالحة.
(٤٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 ... » »»
الفهرست