الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل - الزمخشري - ج ٣ - الصفحة ٤٩٧
أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون. قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين. سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون. فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.
____________________
أو غيره في مكان خال، والنجوى، ما تكلموا به فيما بينهم (بلى) نسمعها ونطلع عليهما (ورسلنا) يريد الحفظة عندهم (يكتبون) ذلك. وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شئ في السماوات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق (قل إن كان للرحمن ولد) وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها (فأنا أول) من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالقة في نفى الولد والإطناب فيه، وأن لا يترك الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك لأنه علق العبادة بكينونة الولد وهى محال في نفسها فكان المعلق بها محالا مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفى معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها، ونظيره أن يقول العدلي للمجيز: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله، فمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفى أن يكون الله تعالى خالقا للكفر وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا مع الدلالة على سماجة المذهب وضلالة الذاهب إليه والشهادة القاطعة بإحالته والإفصاح عن نفسه بالبراءة وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه، ونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير رحمه الله للحجاج حين قال له: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى لو عرفت أن ذلك إليك ما عبدت إلها غيرك، وقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف الملئ بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه فقيل:
إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه. وقيل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد. وقرأ بعضهم العبدين. وقيل هي إن النافية: أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك وعبد ووحد. وروى أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله فنزلت، فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني؟ فقال له الوليد ابن المغيرة: ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد، فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له. وقرئ ولد بضم الواو. ثم نزه ذاته موصوفة بربوبية السماوات والأرض والعرش عن اتخاذ الولد ليدل على أنه من صفة الأجسام ولو كان جسما لم يقدر على خلق هذا العالم وتدبيره أمره (فذرهم يخوضوا) في باطلهم (ويلعبوا) في دنياهم (حتى يلاقوا يومهم) وهذا دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب، وإعلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم من المطبوع على قلوبهم الذين لا يرجعون البتة وإن ركب في دعوتهم كل صعب وذلول، وخذلان لهم وتخلية بينهم وبين الشيطان كقوله تعالى - اعملوا ما شئتم - وإيعاد بالشقاء في العاقبة. ضمن اسمه تعالى معنى وصف فلذلك علق به الظرف في قوله في السماء وفى الأرض كما تقول هو حاتم في طي حاتم في تغلب على تضمن معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت: هو جواد في طي جواد في تغلب. وقرئ وهو الذي في السماء الله وفى الأرض
(٤٩٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 492 493 494 495 496 497 498 499 500 501 502 ... » »»