عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ١٤٦
هو رواية المستملي والكشميهني كما تقدم في أوائل كتاب العلم من طريق أخرى: عن محمد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وقد تقدم هناك أكثر ما يتعلق بهذا الحديث.
بيان الإعراب واللغات: قوله: (ذكر النبي، عليه الصلاة والسلام. قال: فإن دماءكم) أي: ذكر أبو بكرة النبي، عليه الصلاة والسلام، وليس هذا من الذكر الذي بعد النسيان. وقوله: (قال)، أي النبي، عليه الصلاة والسلام، المعنى: ذكر أبو بكرة النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم قال: قال النبي، عليه الصلاة والسلام، و : الفاء، في فإن، عاطفة والمعطوف عليه محذوف، لأن هذا الحديث مخزوم، لأنه بعض حديث طويل وقد سبق بعضه في باب: قول النبي، عليه الصلاة والسلام: (رب مبلغ أوعى من سامع)، حيث قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: أليس يوم النحر؟ فقلنا: بلى، قال: فأي شهر هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس بذي الحجة؟ قلنا: بلى. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا...) إلى آخرة، وقد خرم الحديث ههنا اقتصارا على المقصود وهو بيان التبليغ. قوله: (قال محمد) أي: ابن سيرين أحد الرواة. قوله: (واحسبه) أي: أظنه، أي: أظن ابن أبي بكرة، قال: (وأعراضكم)، بالنصب عطف على قوله: (وأموالكم). وقوله: (قال محمد وأحسبه قال)، جمل معترضة. قوله: (حرام) خبر: إن، وقال الكرماني: جمل معترضة بين اسم إن وخبرها بحسب الظاهر. قلت: بحسب الظاهر اعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه، وإن كان في الحقيقة بين اسم إن وخبرها. فإن قلت: كيف روى محمد بن سيرين ههنا ظانا في هذا اللفظ، وفيما تقدم جاز ما فيه كما هو مذكور في ذلك الباب؟ قلت: إما لأنه كان عند روايته لأيوب ظانا في تلك اللفظة، وبعدها تذكر فحصل له الجزم بها، فرواها لابن عون جازما. وإما بالعكس لطرو تردد له أو لغير ذلك، والله أعلم. فإن قلت: ما معنى قوله: (عليكم) إذ معلوم أن أموالنا ليست حراما علينا؟ قلت: العقل مبين للمقصود وهو: أموال كل أحد منكم حرام على غيره، وذلك عند فقدان شيء من أسباب الحل، ويؤيده الرواية الأخرى: وهي بينكم بدل: عليكم. قوله: (وأعراضكم) جمع عرض بالكسر، وقد فسرناه هناك مستوفى. وحاصله أنه يقال للنفس وللحسب. وقال في (شرح السنة) لو كان المراد من الأعراض النفوس لكان تكرارا، لأن ذكر الدماء كاف، إذ المراد بها النفوس فيتعين الأحساب. وقال الطيبي: الظاهر أن المراد بالأعراض: الأخلاق النفسانية. قوله: (ألا)، بتخفيف اللام، كأنه قال: ألا يا قوم هل بلغت؟ يعني: هل عملت بمقتضى ما قال الله تعالى: * (بلغ ما أنزل إليك) * (المائدة: 67)؟ قوله: (وكان محمد)، أي: ابن سيرين. قوله: (كان ذلك)، قال الكرماني: فإن قلت: ذلك إشارة إلى ماذا؟ إذ لا يحتمل أن يشار به إلى: ليبلغ الشاهد، وهو أمر، لأن التصديق والتكذيب من لوازم الخبر. قلت: إما أن تكون الرواية عند ابن سيرين: ليبلغ، بفتح اللام فيكون خبرا، وإما أن يكون الأمر في معنى الخبر، ومعناه: إخبار الرسول، عليه الصلاة والسلام، بأنه سيقع التبليغ فيما بعد. وإما أن يكون إشارة إلى تتمة الحديث، وهو: أن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه، يعني: وقع تبليغ الشاهد أو إلى ما بعده، وهو التبليغ الذي في ضمن: (ألا هل بلغت)؟ يعني: وقع تبليغ الرسول، عليه الصلاة والسلام، إلى الأمة وذلك نحو قوله تعالى: * (هذا فراق بيني وبينك) * (الكهف: 78). قلت: الجواب الأول موجه إن ساعدته الرواية عن محمد بفتح اللام، وكون الأمر بمعنى الخبر يحتاج إلى قرينة. أقول: لا يجوز أن يكون للإشارة إلى التبليغ الذي يدل عليه: ليبلغ، ومعنى كان ذلك: وقع ذلك التبليغ المأمور به من الشاهد إلى الغائب. قوله: (مرتين) يتعلق بقوله: قال مقدرا، أي: قال، عليه الصلاة والسلام، مرتين: ألا هل بلغت. فإن قلت: لم قدرت: قال، وما جعلته من تتمة: قال، المذكور في اللفظ، ويكون: وكان محمد... إلى آخره جملة معترضة؟ قلت: حينئذ يلزم أن يكون مجموع هذا الكلام مقولا مرتين، ولم يثبت ذلك.
38 ((باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم)) أي: هذا باب في بيان إثم من كذب على النبي، عليه الصلاة والسلام، والكذب خلاف الصدق. قال الصغاني: تركيب الكذب يدل على خلاف الصدق، وتلخيصه: أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق. والكذب عند الأشعرية: الإخبار عن الأمر على خلاف ما هو عليه عمدا أو سهوا، خلافا للمعتزلة في اشتراطهم العمدية. ويقال فيه ثلاثة مذاهب: المذهب الحق:
(١٤٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 ... » »»