عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ١٤١
للشرط، وأحد، مرفوع بفعل محذوف تقديره: فإن ترخص أحد، ويفسره قوله: ترخص، إنما حذف لئلا يجتمع المفسر والمفسر، وذلك كما في قوله تعالى: * (وإن أحد من المشركين استجارك) * (التوبة: 6) تقديره: وإن استجارك أحد من المشركين. قوله: (لقتال رسول الله عليه الصلاة والسلام)، اللام فيه للتعليل. قوله:
(فقولوا) جواب الشرط، فلذلك دخلت فيه الفاء. قوله: (قد أذن) خبر: إن. وقوله: (لم يأذن لكم) عطف عليه. قوله: (وإنما أذن لي)، روي بصيغة المجهول والمعلوم. قوله: (ساعة)، نصب على الظرف. قوله: (حرمتها) بالرفع فاعل: عادت. قوله: (اليوم)، نصب على الظرف. قوله: (وليبلغ) يجوز بكسر اللام وتسكينها، و: الشاهد، بالرفع فاعله، و: الغائب، بالنصب مفعوله. قوله: (يا باشريح) أصله يا أبا شريح حذفت الهمزة للتخفيف. قوله: (لا تعيذ) جملة في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. أي: مكة لا تعيذ. قوله: (عاصيا) مفعول: لا تعيذ، ويروى بالياء آخر الحروف، أي: الحرم لا يعيذ عاصيا. قوله: (ولا فارا بدم) عطف على: عاصيا، والباء في: بدم، للمصاحبة، أي: مصاحبا بدم وملتسبا به. قوله: (ولا فار بخربة)، عطف على ما قبله، والباء فيه للسببية.
بيان المعاني: قوله: (لعمرو بن سعيد)، بفتح العين: وهو عمرو بن سعيد بن العاص ابن أمية القرشي الأموي، يعرف بالأشدق، ليست له صحبة ولا كان من التابعين باحسان. ووالده مختلف في صحبته. وقال ابن الأثير: يكنى أبا أمية، وكان أمير المدينة، وغزا ابن الزبير، رضي الله عنهما، ثم قتله عبد الملك بن مروان بعد أن آمنه. ويقال: إنه الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عن عمر وعثمان، روى عنه بنوه وأمية وسعيد. قلت: كان قتله سنة سبعين من الهجرة. قوله: (وهو يبعث البعوث إلى مكة) يعني: كان عمرو بن سعيد يبعث الجند إلى مكة لقتال ابن الزبير، وذلك أنه لما توفي معاوية توجه يزيد إلى عبد الله بن الزبير يستدعي منه بيعته، فخرج إلى مكة ممتنعا من بيعته، فعضب يزيد وأرسل إلى مكة يأمر واليها يحيى بن حكيم بأخذ بيعة عبد الله، فبايعه وأرسل إلى يزيد بيعته، فقال: لا أقبل حتى يؤتى به في وثاق، فأتى ابن الزبير، وقال: أنا عائذ بالبيت، فأبى يزيد، وكتب إلى عمرو بن سعيد أن يوجه إليه جندا، فبعث هذه البعوث. قال ابن بطال: وابن الزبير، رضي الله عنهما، عند علماء السنة أولى بالخلافة من يزيد وعبد الملك لأنه بويع لابن الزبير قبل هؤلاء، وهو صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال مالك: ابن الزبير أولى من عبد الملك. قوله: (من يوم الفتح) يعني فتح مكة، وكان في عشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. قوله: (سمعته أذناي...) إلى آخره، إشارة منه إلى مبالغته في حفظه من جميع الوجوه، ففي قوله: (سمعته أذناي) نفي أن يكون سمعه من غيره، كما جاء في حديث النعمان بن بشير، وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه. وقوله: (ووعاه قلبي) تحقيق لفهمه والتثبت في تعقل معناه. وقوله: (وأبصرته عيناي) زيادة في تحقق السماع والفهم عنه بالقرب منه والرؤية، وأن سماعه منه ليس اعتمادا على الصوت دون حجاب، بل الرؤية والمشاهدة، والهاء في قوله: تكلم به، عائدة على قوله: أحدثك. قوله: (حرمها الله) إما أن يراد به مطلق التحريم، فيتناول كل محرماتها، وإما أن يراد به ما ذكر بعده من سفك الدم وعضد الشجر. ويقال: معناه تفهيم المخاطبين بعظيم قدر مكة بتحريم الله إياها، ونفي ما تعتقده الجاهلية وغيرهم من أنهم حرموا وحللوا، كما حرموا أشياء من قبل أنفسهم، وأكد ذلك المعنى بقوله: (ولم يحرمها الناس)، أي: فتحريمها ابتداء أي من غير سبب يعزى لأحد لا مدخل فيه لا لنبي ولا لعالم، ثم بين التحريم بقوله: (فلا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما...) إلى آخره، لأن من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن بالله واليوم الآخر لزمه القيام بما وجب عليه، واجتناب ما نهى عنه، تخلصا خوف الحساب عليه، ويقال: معنى: ولم يحرمها الناس: ليس من محرمات الناس، حتى لا يعتد به، بل هي من محرمات الله. أو معناه: إن تحريمها بوحي الله تعالى، لا أنه اصطلح الناس على تحريمها بغير إذن الله تعالى. قوله: (فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم) معناه: إن قال أحد بأن ترك القتال عزيمة، والقتال رخصة يتعاطى عند الحاجة مستدلا بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقولوا له: ليس الأمر كذلك، فإن الله أذن لرسول صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيها ساعة من نهار، يعني في إراقة دم كان مباحا خارج الحرم، والحرمة كانت للحرم في إراقة دم محرم الإراقة، فكان الحرم في حقه صلى الله عليه وسلم وفي تلك الساعة بمنزلة الحل، ثم عادت حرمتها كما كانت، وإنما قال: فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقال: لقتالي بيانا لاستظهار الترخص، فإن الرسول المبلغ للشرائع، إذا فعل ذلك كان دليلا على جواز الترخص. وإنما التفت ثانيا بقوله: (وإنما أذن لي) ولم يقل: أذن له، بيانا لاختصاصه بذلك بالإضافة إلى ضميره كما في قول امرئ القيس:
(١٤١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 ... » »»