عمدة القاري - العيني - ج ٢ - الصفحة ١٢٢
ورحل، ولهذا قال الشعبي، وهو من كبار التابعين بقوله: وقد كان يركب. فإن قلت: هل كان سؤال الخراساني من الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها مجرد تعلم هذه المسألة، أم لمعنى آخر؟ قلت: بل لمعنى آخر، وهو ما جاء في رواية مسلم: (أن رجلا من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال: يا عامر! إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته). وفي طريق: (كالراكب هديه)، كأنهم توهموا في العتق والتزوج الرجوع بالنكاح فيما خرج عنه بالعتق، فأجابه الشعبي بما يدل على أنه محسن إليها إحسانا بعد إحسان، وأنه ليس من الرجوع في شيء، فذكر لهم الحديث.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بيان أن هؤلاء الثلاثة من الناس لهم أجران. قال الكرماني: ما العلة في التخصيص بهؤلاء الثلاثة، والحال أن غيره كذلك أيضا مثل من صلى وصام، فإن للصلاة أجرا، وللصوم أجرا آخر، وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والديه؟ قلت: الفرق بين هذه الثلاثة وغيرها أن الفاعل في كل منها جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة، كأن الفاعل لهما فاعل للضدين عامل بالمتنافيين، بخلاف غيره عامل. قلت: هذا الجواب ليس بشيء، بل الجواب الصحيح أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور. فإن قلت: التنصيص بعدد محصور يدل على نفي الحكم عن غيره، وإليه مال صاحب (الهداية)، لأن إثبات الحكم في غيره إبطال العدد المنصوص، واستدل على ذلك بقوله، عليه الصلاة والسلام: (خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم). فإن ذلك يدل على نفي الحكم عما عدا المذكور. قلت: الصحيح من المذهب أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على النفي فيما عداه وإن كان في العدد المحصور، والحكم في غير المذكور إنما يثبت بدلالة النص، فلا يوجب إبطال العدد المنصوص، فافهم. الثاني: قال المهلب: فيه دليل على من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين، والله يضاعف لمن يشاء. الثالث: قال النووي: في قول الشعبي جواز قول العالم مثله تحريضا للسامع. الرابع: فيه بيان ما كان السلف عليه من الرحلة إلى البلدان البعيدة في حديث واحد، أو مسألة واحدة. الخامس: قال ابن بطال: وفيه إثبات فضل المدينة، وأنها معدن العلم، وإليها كان يرحل في طلب العلم، وتقصد في اقتباسه. وبعض المالكية خصصوا العلم بالمدينة بقول الشعبي، وهو ترجيح بلا مرجح، فلا يقبل.
32 ((باب عظة الإمام النساء وتعليمهن)) أي: هذا باب في بيان وعظ الإمام النساء، وهو التذكير بالعواقب. وتعليمه النساء من الأمور الدينية، والعظة، بكسر العين: بمعنى الوعظ، لأنه مصدر من: وعظ يعظ وعظا، فلما حذفت الواو تبعا لفعله عوضت عنها الهاء.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق تعليم الرجل أهله، وهو خاص. والمذكور في هذا الباب تعليم الإمام النساء وهو عام، فتناسقا من هذه الحيثية. والمراد من الإمام هو الإمام الأعظم أو من ينوب عنه.
98 حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا شعبة عن أيوب قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس قال: أشهد على النبي أو قال عطاء: اشهد على ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال، فظن أنه لم يسمع النساء، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه.
.
وجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: (فوعظهن)، لأن الوعظ يستلزم العظة، وكانت الموعظة بقوله: (إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير). فإن قلت: أين مطابقته لقوله: (وتعليمهن)؟ قلت: في قوله: (وأمرهن بالصدقة). ولا شك أن في الأمر بالصدقة التعليم بها أنها تكفر الخطايا وتدفع البلايا.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: سليمان بن حرب الأزدي البصري، وقد تقدم. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد تقدم. الثالث: أيوب السختياني، وقد تقدم. الرابع: عطاء ابن أبي رباح، واسم أبي رباح: مسلم المكي القرشي، مولى ابن خيثم الفهري، وابن خيثم عامل عمر بن الخطاب على مكة،
(١٢٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 ... » »»