تنزيه الأنبياء - الشريف المرتضى - الصفحة ١٥٦
فإن قيل العتاب باق على كل حال لأنه قد كان ينبغي ان يظهر ما أظهره ويخشى الله ولا يخشى الناس.
قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها ان يكون صلى الله عليه وآله فعل ما غيره أولى منه، وليس ان يكون صلى الله عليه وآله بترك الأولى عاصيا. وليس يمتنع على هذا الوجه ان يكون صبره على قذف المنافقين اهانته بقولهم أفضل وأكثر ثوابا، فيكون ابداء ما في نفسه أولى من اخفائه على أنه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب، ولا ترك الأولى. وأما اخباره بأنه (اخفى ما الله مبديه) فلا شئ فيه من الشبهة، وانما هو خير محض. وأما قوله (وتخشى الناس والله أحق ان تخشاه) ففيه أدنى شبهة، وإن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل، لأنه اخبر أنه يخشى الناس وان الله أحق بالخشية، ولم يخبر انك لم تفعل إلا حق وعدلت إلى الأدون، ولو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب ان نتركه ونعدل عنه للقاطع من الأدلة. وقد قيل إن زيد بن حارثة لما خاصم زوجته زينب بنت جحش وهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وأشرف على طلاقها اضمر رسول الله صلى الله عليه وآله انه ان طلقها زيد تزوجها من حيث كانت ابنة عمته. وكان يجب ضمها إلى نفسه كما يجب أحدنا ضم قراباته إليه، حتى لا ينالهم بؤس ولا ضرر. فأخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله والناس بما كان يضمره من ايثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهر الأنبياء صلى الله عليه وآله وباطنهم سواء. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار يوم فتح مكة وقد جاء عثمان بعبد الله بن أبي سرح وسأله ان يرضى عنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذلك قد هدر دمه فأمر بقتله، فلما رأى عثمان استحي من رده ونكس طويلا ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا منهم لامر رسول الله صلى الله عليه وآله مجددا، فقال للأنصار: أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله؟ فقال له عباد بن بشر: يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان عيني ما زالت في عينك انتظارا ان تومئ إلي فاقتله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله:
(١٥٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 ... » »»
الفهرست