تنزيه الأنبياء - الشريف المرتضى - الصفحة ١٠٨
لذلك بل لخلافه، غير أن العاقبة لما كانت ما ذكره حسن إدخال اللام، ومثله قول الشاعر:
وللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدور تبنى المساكن ونظائر ذلك كثيرة. فكأنه تعالى لما علم أن عاقبة أمرهم الكفر، وأنهم لا يموتون إلا كفارا، وأعلم ذلك نبيه، حسن أن يقول إنك آتيتهم الأموال ليضلوا.
وثالثها: أن يكون مخرج الكلام مخرج النفي والانكار على من زعم أن الله تعالى فعل ذلك ليضلهم، ولا يمتنع أن يكون هناك من يذهب إلى مذهب المجبرة (1) في أن الله تعالى يضل عن الدين، فرد بهذا الكلام عليه كما يقول أحدنا: إنما آتيت عبدي من الأموال ما آتيته ليعصيني ولا يطيعني، وهو إنما يريد الإنكار على من يظن ذلك به، ونفي إضافة المعصية إليه.
وهذا الوجه لا يتصور إلا على الوجهين: إما بأن يقدر فيه الاستفهام وإن حذف حرفه، أو بأن يكون اللام في قوله (ليعصيني) لام العاقبة التي قد تقدم بيانها. ومتى رفعنا من أوهامنا هذين الوجهين، لم يتصور كيف يكون الكلام خارجا مخرج النفي والانكار.
ورابعها: أن يكون أراد الاستفهام، فحذف حرفه المختص به، وقد حذف حرف الاستفهام في أماكن كثيرة من القرآن. وهذا الجواب يضعف لأن حرف الاستفهام لا يكاد يحذف إلا وفي الكلام دلالة عليه وعوض عنه، مثل قول الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا لأن لفظة أم يقتضي الاستفهام، وقد سأل أبو علي الجبائي نفسه عن هذا السؤال في التفسير، وأجاب عنه بأن في الآية ما يدل على حذف حرف

(1) المجبرة: أو الجبرية: فرقة تنسب إلى جهم بن صفوان تقول أن الانسان مجبر في أعماله.
(١٠٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 ... » »»
الفهرست