العثمانية - الجاحظ - الصفحة ١٦٩
ومما يقرب من قولنا قول النبي صلى الله عليه: " أنفذوا جيش أسامة " فقد يعلم المستدل أن النبي صلى الله عليه إنما قصد بذلك الامر في خاصته والمطاعين، لان قوله: " أنفذوا " دليل أنه قد كان هناك من ينفذ أمره، وإليه قصد بالامر مقنعين (1) غير ساخطين.
ولو كان الامر إنما كان لأسامة وأصحابه كان اللفظ على غير هذا.
فإذا كان ذلك كذلك فمن أولى بأن يكون من المخاطبين المطاعين من أبى بكر وخليله (2) وصفيه، على ما كتبت لك في كتابي هذا، مع أنا لم نبلغه ولم نستقصه، إما بالخوف منا والكراهة لإطالة الكتاب، وإما بالتقصير منا في معرفة جميع محاسنه.
ووجه آخر: أنك لو جهدت أن تجد لحديث من زعم أن أبا بكر كان في جيش أسامة أصلا لم تجد، وإنما أتى عامة ذلك (3) من قبل كون عمر في ذلك الجيش، لان عمر وأبا عبيدة (4) كانا من أول من انتدب في ذلك الجيش.
ولما كان الناس كثيرا ما يرون عمر يجرى مع أبي بكر غلطوا في ذلك في مواضع كثيرة، حتى جر ذلك على أبى بكر فرار عمر يوم أحد، فقال من لا علم له: وفر يوم أحد أبو بكر وعمر. وموقف أبى بكر والنفر من المهاجرين في يوم أحد أشهر من أن يطمس عليه جاحد.
ومن ذلك أن عمر كان في جيش ذات السلاسل، فألحقوا به أبا بكر.

(١) مقنعين، أي راضين. أقنعه الشئ: أرضاه، وفى الأصل: " مقنمين ".
(٢) في الأصل: " وخاله ".
(٣) في الأصل: " عامه في ذلك ".
(٤) في الأصل: " وابن عمه " وانظر عيون الأثر ٢: ٢٨١ وإمتاع الاسماع 1: 537.
(١٦٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 ... » »»