العثمانية - الجاحظ - الصفحة ٢٨٦
فراعنة بنى أمية على إخفاء محاسن علي عليه السلام وفضائله، وفضائل ولده وشيعته وإسقاط أقدارهم، وأحرص منهم على إسقاط قراء عبد الله وأبى، لان تلك القراءات لا تكون سببا لزوال ملكهم وفساد أمرهم وانكشاف حالهم. وفى إشهار فضل علي عليه السلام وولده وإظهار محاسنهم بوارهم. وتسليط حكم الكتاب المنبوذ عليهم.
فحرصوا واجتهدوا في إخفاء فضائله، وحملوا الناس على كتمانها وسترها، وأبى الله أن يزيد أمره وأمر ولده إلا استنارة وإشراقا، وحبهم إلا شغفا وشدة، وذكرهم إلا انتشارا وكثرة، وحجتهم إلا وضوحا وقوة، وفضلهم إلا ظهورا، وشأنهم إلا علوا، وأقدارهم إلا أعظاما، حتى أصبحوا بإهانتهم إياهم أعزاء، وبإماتتهم ذكرهم أحياء، وما أرادوا به وبهم من الشر تحول خيرا. فانتهى إلينا من ذكر فضائله وخصائصه، ومزاياه وسوابقه، ما لم يتقدمه السابقون، ولا ساواه فيه القاصدون، ولا يلحقه الطالبون. ولولا أنها كانت كالقبلة المنصوبة في الشهرة، وكالسنن المحفوظة في الكثرة، لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد، إذ كان الامر كما وصفناه.
فأما ما احتج به الجاحظ بإمامة أبى بكر بكونه أول الناس إسلاما فلو كان هذا احتجاجا صحيحا لأحتج به أبو بكر يوم السقيفة. وما رأيناه صنع ذلك. لأنه أخذ بيد عمر ويد أبى عبيدة بن الجراح وقال للناس: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا منهما من شئتم. ولو كان هذا احتجاجا صحيحا لما قال عمر: كانت بيعة أبى بكر فلتة وقى الله شرها! ولو كان احتجاجا صحيحا لادعى واحد من الناس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره بكونه سبق إلى الاسلام. وما عرفنا أحدا ادعى له ذلك. على أن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكر أسلم إلا بعد عدة من الرجال، منهم علي بن أبي طالب، وجعفر أخوه، وزيد بن حارثة، وأبو ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة (1) السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص. وخباب بن الأرت.
وإذا تأملنا الروايات الصحيحة والأسانيد القوية الوثيقة وجدناها كلها ناطقة بأن عليا

(1) ط: " عنبسة " صوابه في الأصل وتهذيب التهذيب.
(٢٨٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 ... » »»