فتوح الشام - الواقدي - ج ٢ - الصفحة ٤٨
وأنتم تعلمون أن محمدا في أيامه بعث الينا يدعونا إلى دينه فاستدليت على صدق قوله بكتابه وما ظهر من معجزاته وقد سمعتم أنه لما بعث ما سمع أحد بذكره الا وخاف منه وقد سمعتم أن القمر انشق له والذراع المسموم كلمه وقال يا رسول الله أني مسموم فلا تأكلني وقد كلمه الضب والحجر والشجر والمدر وعرج به إلى السماء وركب أوج الماء وأول من تغلب عليه قومه وحاربه عشيرته حين أنكروا قوله وفعله فنصر عليهم وقهرهم وقد تبين لهم الحق فاتبعوه ونصروه وهم هؤلاء الذين فتحوا الشام وما أنكرت من أمرهم شيئا فأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله التي أمر بها وما في كتابهم شيء الا وفي الإنجيل مثله وقد أضلكم بولس وأغواكم حين غر بكم وبدل شرعكم وسماكم باسم لا يليق بكم وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحل لكم جيمع ما حرم عليكم من قبل وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدوا ما قال نبيكم وكيف نبغي لروح الله عيسى بن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله إليكم ثم إن بولص قال لكم انه أحل لكم الخنزير وشرب الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بظن فأطعتم أمره وصدقتم قوله وحاشا المسيح أن يفعل ذلك وما كان أحد من الأنبياء الا على ما جاء به محمد وهؤلاء الحكماء الأولون ما منهم الا من يتكلم بوحدانية الله تعالى وهذا الحكيم دمونا الذي صنع في براري اخيم ارصادا وجعلها مثلا للأمم الآتية وذكر فيها من يأتي من الأمم والأجيال إلى آخر الزمان وصور الحكماء منفردة به والنسر يعقد راس الحمل والنسر يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة كما قدر بالمقدار الحكيمي وكأن قدر صور صورة وكتب على رأسها بقلم اليونانية أربعة أسطر الأول من خاف الوعيد سلم مما يريد الثاني من خاف ما بين يديه صان دموعه بما في يديه الثالث ان كنت تريد الجزيل فلا تنم ولا تقيل الرابع بادر قبل نزول ما تحاذر فمن كان هذا كلامهم فكيف صنع سواهم وهذه فريضة هؤلاء القوم المحمديين قال فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض غيظا على الملك قال وما تلكم المقوقس بهذا الكلام حتى أوقف عنده من مماليكه الف غلام فوق رأسه بالسيف لأنه كان قد سمع ما جرى لقيصر وهرقل مع بطارقته لما جمعهم ونصحهم فوثبوا عليه وأرادوا قتله أما المقوقس فإنه استوثق بمماليكه حتى لا يطمع فيه قال فلما تكلم بذلك قال له وزيره أيها الملك رأيك راجح وأنا أول من يؤمن بما تقول فقال للوزير اكتب إلى ابنتي كتابا تأمرها فيه أن تتلطف بالقوم وتعطيهم الأمان وتنفذهم الينا حتى نخلع عليهم وتطيب قلوبهم ويكونوا معنا يقاتلون من يريد قتالنا وما أراد بذلك الا أن يسلم مثل يوقنا وأصحابه إذ هم على الحق قال فكتب الوزير إلى
(٤٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 ... » »»