أضواء البيان - الشنقيطي - ج ٣ - الصفحة ٣٢١
قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر: وإن كلا لما ليوفينهم ربك) * في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد نون (إن) وميم (لما) على قول من زعم أن الأصل على هذه القراءة: لمن ما بمن التبعيضية، وما بمعنى من، أ ي و إن كلا لمن جملة ما يوفيهم ربك أعمالهم، فأبدلت نون (من) ميما وأدغمت في ما، فلما كثرت الميمات حذفت الأولى فصار لما. وعلى هذا القول: ف (لما) مركبة من ثلاث كلمات: الأولى الحرف الذي هو اللام، والثانية من، والثالثة ما، وهذا القول وإن قال به بعض أهل العلم لا يخفى ضعفه وبعده، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه. وقصدنا مطلق التمثيل ل (لما) المركبة من كلمات على قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر:
* لما رأيت أبا يزيد مقاتلا * أدع القتال وأشهد الهيجاء * لأن قوله (لما) في هذه البيت، مركبة من (لن) النافية الناصبة للمضارع و (ما) المصدرية الظرفية، أي لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلا، أي مدة رؤيتي له مقاتلا.
* (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله فى البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله فى البحر عجبا * قال ذالك ما كنا نبغ فارتدا علىءاثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معى صبرا * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدنى إن شآء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا * قال فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شىء حتى أحدث لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا فى السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معى صبرا * قال لا تؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا * قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا * قال إن سألتك عن شىء بعدها فلا تصاحبنى قد بلغت من لدنى عذرا) * قوله تعالى: * (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما) *. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وفتاه نصبا حوتهما لما بلغ مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى، لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه. وإنما أسند النسيان إليهما، لأن إطلاق المجموع مرادا بعضه أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي * (فإن قاتلوكم فاقتلوهم) * من القتل في الفعلين لا من القتال، أي فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: * (فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هاذا نصبا قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) *، لأن قول موسى: (آتنا غداءنا) يعني به الحوت فهو يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه: بأنه نسيه بقوله: * (فإنى نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان) *.
وقوله في هذه الآية الكريمة: * (ومآ أنسانيه إلا الشيطان) * دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر. كقوله تعالى: * (وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين) * وقوله تعالى: * (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) *.
وفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى: * (مجمع بينهما) * عائد إلى (البحرين) المذكورين في قوله تعالى: * (لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) *. والمجمع: اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما.
والعلماء مختلفون في تعيين (البحرين) المذكورين. فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر
(٣٢١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 316 317 318 319 320 321 322 323 324 325 326 ... » »»