تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٦ - الصفحة ١٦٣
واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض، وقوله تعالى: * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل: إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى. وقرأ ابن عباس * (أن) * بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل: لم لا تتفاخروا بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها.
وفي " البحر " أن ابن عباس قرأ * (لتعرفوا وأن أكرمكم) * بفتح الهمزة فاحتمل أن يكون * (أن أكرمكم) * الخ معمولا * (لتعرفوا) * وتكون اللام في * (لتعرفوا) * لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى، وأما إن كانت لام كي فلا يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوبا وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولا * (لتعرفوا) * محذوفا أي لتعرفوا الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اه‍ وهو كما ترى.
* (إن الله عليم) * بكم وبأعمالكم * (خبير) * بباطن أحوالكم. روي أنه لما كان يوم فتح مكة أذن بلال على الكعبة فغضب الحرث بن هشام. وعتاب بن أسيد وقالا: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة فنزلت.
وعن ابن عباس سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح له عند النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن فلانة فوبخه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إنك لا تفضل أحدا إلا في الدين والتقوى ونزلت. وأخرج أبو داود في مراسيله. وابن مردويه. والبيهقي في سننه عن الزهري قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا: يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) * (الحجرات: 13) الآية.
قال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة وكان حجام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ونزلت: * (يا أيها الناس) * الآية في ذلك، وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاما أسود يقول: من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال: محموم فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقال: هو لما به فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت، وفي القلب من صحة هذا شيء والله تعالى أعلم. وقد دلت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب وبذلك نطقت الأخبار. أخرج ابن مردويه. والبيهقي في " شعب الإيمان ". وعبد بن حميد. والترمذي. وغيرهم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال فخطبهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال: الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: * (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى) * إلى قوله تعالى: * (خبير) * ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأخرج البيهقي. وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (الحجرات: 13) ألا هل بلغت؟ قالوا:
(١٦٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 ... » »»