تفسير البحر المحيط - أبي حيان الأندلسي - ج ٥ - الصفحة ٣٠٩
غيرهم مؤمنون بها. ولتوكيد كفرهم بالجزاء تنبيها على ما هم عليه من الظلم والكبائر التي لا يرتكبها إلا من هو كافر بدار الجزاء انتهى. وليست عندنا هم تدل على الخصوص، وباقي ألفاظه ألفاظ المعتزلة. ولما ذكر أنه رفض ملة أولئك ذكر اتباعه ملة آبائه ليريهما أنه من بيت النبوة، بعد أن عرفهما أنه نبي، بما ذكر من أخباره بالغيوب لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه واتباع قوله. وقرأ الأشهب العقيلي والكوفيون: آبائي بإسكان الياء، وهي مروية عن أبي عمرو. ما كان لنا ما صح ولا استقام لنا معشر الأنبياء أن نشرك بالله من شيء عموم في الملك والجني والإنسي، فكيف بالصنم الذي لا يسمع ولا يبصر؟ فشئ يراد به المشرك. ويجوز أن يراد به المصدر أي: من شيء من الإشراك، فيعم الإشراك، ويلزم عموم متعلقاته. ومن زائدة لأنها في حيز النفي، إذ المعنى: ما نشرك بالله شيئا، والإشارة بذلك إلى شركهم وملتهم أي: ذلك الدين والشرع الحنيفي الذي انتفى فيه الإشراك بالله، ومن فضل الله علينا أي: على الرسل، إذ خصوا بأن كانوا وسائط بين الله وعباده. وعلى الناس أي: على المرسل إليهم، إذ يساقون به إلى النجاة حيث أرشدوهم اليه. وقوله: لا يشكرون أي: لا يشكرون فضل الله فيشركون ولا ينتبهون. وقيل: ذلك من فضل الله علينا، لأنه نصب لنا الأدلة التي ننظر فيها ونستدل بها، وقد نصب مثل ذلك لسائر الناس من غير تفاوت، ولكن أكثر الناس لا ينظرون ولا يشكرون اتباعا لأهوائهم، فيبقون كافرين غير شاكرين.
* (يشكرون ياصاحبى السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله) *: لما ذكر ما هو عليه من الدين الحنيفي تلطف في حسن الاستدلال على فساد ما عليه قوم الفتيين من عبادة الأصنام، فناداهما باسم الصحبة في المكان الشاق الذي تخلص فيه المودة وتتمخض فيه النصيحة. واحتمل قوله: يا صاحبي السجن، أن يكون من باب الإضافة إلى الظرف، والمعنى: يا صاحبي في السجن، واحتمل أن يكون من إضافته إلى شبه المفعول كأنه قيل: يا ساكني السجن، كقوله * (أصحاب النار) * * (وأصحاب الجنة) * ثم أورد الدليل على بطلان ملة قومهما بقوله: أأرباب، فأبرز ذلك في صورة الاستفهام حتى لا تنفر طباعهما من المفاجأة بالدليل من غير استفهام. وهكذا الوجه في محاجة الجاهل أن يؤخذ بدرجة يسيرة من الاحتجاج يقبلها، فإذا قبلها لزمته عنها درجة أخرى فوقها، ثم كذلك إلى أن يصل إلى الإذعان بالحق. وقابل تفرق أربابهم بالواحد، وجاء بصفة القهار تنبيها على أنه تعالى له هذا الوصف الذي معناه الغلبة والقدرة التامة، وإعلاما بعرو أصنامهم عن هذا الوصف الذي لا ينبغي أن يعبد إلا المتصف به، وهم عالمون بأن تلك الأصنام جماد. والمعنى: أعبادة أرباب متكاثرة في العدد خير أم عبادة واحد قهار وهو الله؟ فمن ضرورة العاقل يرى خيرية عبادته، ثم استطرد بعد الاستفهام إلى إخبار عن حقيقة ما يعبدون. والخطاب بقوله: ما تعبدون، لهما ولقومهما من أهل. ومعنى إلا أسماء: أي ألفاظا أحدثتموها أنتم وآباؤكم فهي فارغة لا مسميات تحتها، وتقدم تفسير مثل هذه الجملة في الأعراف. إن الحكم إلا لله أي: ليس لكم ولا لأصنامكم حكم ما الحكم في العبادة والدين إلا لله ثم بين ما حكم به فقال أمر أن لا تعبدوا إلا إياه. ومعنى القيم: الثابت الذي دلت عليه البراهين. لا يعلمون بجهالاتهم وغلبة الكفر عليهم.
* (يعلمون ياصاحبى السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذى فيه تستفتيان وقال للذى ظن أنه ناج منهما اذكرنى عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث فى السجن بضع سنين) *: لما ألقى إليهما ما كان أهم وهو أمر الدين رجاء في إيمانهما، ناداهما ثانيا لتجتمع أنفسهما لسماع الجواب، فروي أنه قال: لبنو: أما أنت فتعود إلى مرتبتك وسقاية ربك، وما رأيت من الكرامة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه. وقال لملحب: أما أنت فما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب، فروي أنهما قالا: ما رأينا شيئا، وإنما تحالمنا لنجربك. وروي أنه لم يقل ذلك إلا الذي حدثه بالصلب. وروي أنهما رأيا ثم أنكرا. وقرأ الجمهور: فيسقي ربه من سقى، وفرقة: فيسقي من أسقى، وهما
(٣٠٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 304 305 306 307 308 309 310 311 312 313 314 ... » »»