أحكام القرآن - الجصاص - ج ٣ - الصفحة ٤٥٦
ومن سورة الروم بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله). روي عن ابن عباس ومجاهد في قوله: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس): " هو الرجل يهب الشيء يريد أن يثاب أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله ولا يؤجر صاحبه فيه ولا إثم عليه ". (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) وعن سعيد بن جبير قال: " هو الرجل يعطي ليثاب عليه ". وروى عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس) قال: " الربا ربوان: فربا حلال وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس به ما هو أفضل منه ". وروى زكريا عن الشعبي: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس) قال: " كان الرجل يسافر مع الرجل فيخف له ويخدمه فيجعل له من ربح ماله ليجزيه بذلك ". وروى عبد العزيز بن أبي رواد عن الضحاك: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس) قال: " هو الربا الحلال، الرجل يهدي ليثاب أفضل منه، فذلك لا له ولا عليه، ليس فيه أجر وليس عليه فيه إثم ". وروى منصور عن إبراهيم:
(ولا تمنن تستكثر) [المدثر: 6] قال: " لا تعط لتزداد ". قال أبو بكر: يجوز أن يكون ذلك خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان في أعلى مراتب مكارم الأخلاق كما حرم عليه الصدقة، وقد روي عن الحسن في قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر) [المدثر: 6]: لا تستكثر عملك فتمن به على ربك.
وقوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة)، يعني أنه خلقكم ضعفاء حملا في بطون الأمهات ثم أطفالا لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا ثم جعلكم أقوياء ثم أعطاكم من الاستطاعة والعقل والدراية للتصرف في اختلاف المنافع ودفع المضار ثم جعلكم ضعفاء في حال الشيخوخة، كقوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق) [يس: 68] وقوله: (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا) [النحل: 70] فيبقى مسلوب القوى
(٤٥٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 451 452 453 454 455 456 457 458 459 460 461 ... » »»