شرح أصول الكافي - مولي محمد صالح المازندراني - ج ٣ - الصفحة ٣
باب حدوث العالم بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التوحيد يبين فيه وجود الصانع ووحدته وصفاته الذاتية والفعلية وسائر ما يصح له ويمتنع عليه (باب حدوث العالم) (1) المراد بالعالم ما سوى الله وهو مع تكثره منحصر في الجوهر والعرض، وبحدوثه أن يكون وجوده مسبوقا بالعدم، وقد اختلف الناس فيه فذهب المسلمون واليهود والنصارى والمجوس إلى أن الأجسام حادثة بذواتها وصفاتها (2) وذهب أرسطو وأتباعه إلى أنها قديمة بذواتها وصفاتها (3)

1 - قوله حدوث العالم وعطف إثبات المحدث عليه وجعله عنوانا لباب إثبات الواجب يدل على أن حدوث العالم ملزوم عرفا لإثباته تعالى. (ش) 2 - عرفوا مذهب اليهود والنصارى والمجوس باتفاقهم على إثبات صانع للعالم والمجبول في الفطرة أن كل مصنوع يجب أن يكون حادثا وكل قديم مستغن عن الصانع ولذلك يذهب أذهان العامة من إثبات وجود الله تعالى إلى أن العالم حادث والمعنيان متلازمان في ذهنهم حتى أنهم يعدون القول بمخلوقية العالم مناقضا للقول بقدمه زمانا ولذلك نسبوا إلى المليين الاتفاق على الحدوث مع أنهم لم يتفقوا إلا على إثبات الله تعالى فالحدوث من لوازم المخلوقية عرفا لا عقلا وأما الفلاسفة وجماعة من محققي أهل الكلام كالعلامة الحلي وساير شراح التجريد والمواقف وأمثاله فلم يروا مناقضة بين مخلوقية العالم وكونه قديما زمانا حيث قالوا إن علة احتياج الممكن إلى الواجب إنما هي إمكانه لاحدوثه وعلى هذا فلا يلزم من القول باثبات الصانع القول بحدوث العالم زمانا ولا يعلم اتفاق المليين عليه لأنهم لم يتعرضوا للبحث عن الحدوث ولم يجعلوه أصلا من أصول دينهم وإنما الدين هو الاعتراف بوجود الله تعالى ورسوله والحدوث من لوازم الاقرار بالله تعالى عرفا لا أصل من أصول الدين برأسه; نعم زعم بعض المتكلمين أن مخلوقية العالم يوجب كونه تعالى فاعلا مختارا وأن كونه تعالى علة تامة يستلزم كونه فاعلا مضطرا فالتزموا بأنه تعالى علة غير تامة ولا يلزم من وجوده وجود المعلول وهذا أيضا غير وجيه إذ المعلول المقارن لوجود العلة دائما يتصور على قسمين الأول المعلول الصادر بالاضطرار كالنور بالنسبة إلى الشمس لو فرض وجود الشمس دائما كان نورها دائما مع أنه مخلوق الشمس والشمس فاعل مضطر; الثاني كالعلم بالنسبة إلى الله تعالى أن فرض تعلق إرادته تعالى بكونه خالقا ومفيضا دائما فإن مخلوقه حينئذ دائم نوعا مع كونه تعالى فاعلا مختارا وبالجملة فالقول بالفاعل المختار لا ينافي القول بتعلق إرادته بدوام خلقه فالحق أن القول بحدوث العالم إن ثبت كونه من الدين فإنما هو لملازمة عرفية بينه وبين إثبات الصانع وصفاته لا كونه أصلا برأسه تعبدا ويؤيد ذلك كله عدم وجود حديث في هذا الباب دال على حدوث العالم زمانا مع كونه عنوانه. (ش) 3 - هكذا نقل كثير من الناقلين مذهب أرسطو وهو مشتبه المراد والقدر المتيقن أن أرسطو كان قايلا بتركب الجسم من الهيولى والصورة والهيولي غير مستقلة بنفسها في الوجود بل هي مقومة بالصورة والصورة أيضا غير مقومة بنفسها بل هي مقومة بفاعل مفارق يقيمها ويقيم الهيولى بها فالأجسام التي نراها ونعلم وجودها جميعها معلولة للموجود المجرد الروحاني المسمى عنده بالعقل الفعال وهذا مذهبه المصرح به ويجب حمل كل ما يشتبه من كلام الناس على محكمة ثم أن بعض الناقلين غير العارفين بأصول الحكمة ذهب ذهنه من القديم في كلام أرسطو إلى كون عالم الأجسام غير مخلوق أصلا أو إلى كونه تعالى فاعلا موجبا وقد قلنا إن القديم الزماني عنده لا يوجب شيئا من ذلك أصلا وإنما خص الشارح الكلام بالأجسام مع عدم انحصار الممكنات فيها لأن اختلاف عامة الناس إنما هو فيها وأما غير الأجسام فلا يخطر ببال أكثرهم وجوده فكل ما تكلموا فيه إنما يتبادر منه الجسم وإن ثبت وجوب الاعتراف بحدوث شئ تعبدا فإنما هو الجسم لا غيره.
(ش)
(٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 ... » »»
الفهرست