الإيمان والكفر - الشيخ جعفر السبحاني - الصفحة ٣٤
حرم علي دماؤهم وأموالهم " (1).
فهذه الآثار لا تتطلب أزيد من الإقرار باللسان ما لم تعلم مخالفته للجنان، سواء أصح كونه مؤمنا أم لا.
وأما غير هذه من الآثار التي نعبر عنه بالسعادة الأخروية فلا شك أنها رهن العمل، وأن مجرد الاعتقاد والإقرار باللسان لا يسمن ولا يغني من جوع.
وهذا يظهر بالرجوع إلى الكتاب والسنة. قال سبحانه: * (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) * (الحجرات / 15). نرى أنه ينفي الإيمان عن غير العامل. وما هذا إلا لأن المراد منه، الإيمان المؤثر في السعادة الأخروية، وقال أمير المؤمنين - عليه السلام -: " لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء والأداء هو العمل " (2).
فالإمام - عليه السلام - بصدد بيان الإسلام الناجع في الحياة الأخروية، ولأجل ذلك فسره نهاية بالعمل. ولكن الإسلام الذي ينسلك به الإنسان في عداد المسلمين، ويحكم له وعليه ظاهرا ما يحكم للسائرين من المسلمين، تكفي فيه الشهادة باللفظ ما لم تعلم المخالفة بالقلب، وعلى ذلك جرت سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه.
فلو أوصلنا السبر والدقة إلى تحديد الإيمان فهو المطلوب، وإلا فالمهم هو النظر إلى الآثار المطلوبة وتحديد موضوعاتها حسب الأدلة سواء أصدق عليه الإيمان أم لا، سواء أدخل العمل في حقيقته أم لا كما تقدم. هذا ما ذكرناه هنا عجالة، وسوف نميط الستر عن وجه الحقيقة عند البحث عن الجهة الرابعة والخامسة.

١. بحار الأنوار: ٦٨ / 242.
2. نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 125.
(٣٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 ... » »»