تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون - ج ١ - الصفحة ٢٢
انتسابه كيف تلاشت دعوته وتفرقت أتباعه وظهر سريعا على خبثهم ومكرهم فساءت عاقبتهم وذاقوا وبال أمرهم ولو كان أمر العبيديين كذلك لعرف ولو بعد مهلة ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم فقد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة وملكوا مقام إبراهيم عليه السلام ومصلاه وموطن الرسول صلى الله عليه وسلم ومدفنه وموقف الحجيج ومهبط الملائكة ثم انقرض امرهم وشيعتهم في ذلك كله على أتم ما كانوا عليه من الطاعة لهم والحب فيهم واعتقادهم بنسب الامام إسماعيل بن جعفر الصادق ولقد خرجوا مرارا بعد ذهاب الدولة ودروس أثرها داعين إلى بدعتهم هاتفين بأسماء صبيان من أعقابهم يزعمون استحقاقهم للخلافة ويذهبون إلى تعيينهم بالوصية ممن سلف قبلهم من الأيمة ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الاخطار في الانتصار لهم فصاحب البدعة لا يلبس في أمره ولا يشبه في بدعته ولا يكذب نفسه فيما ينتحله والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاني شيخ النظار من المتكلمين كيف بجنح إلى هذه المقالة المرجوحة ويرى هذا الرأي الضعيف فإن كان ذلك لما كانوا عليه من الالحاد في الدين والتعمق في الرافضية فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم وليس إثبات منتسبهم بالذي يغني عنهم من الله شيئا في كفرهم فقد قال تعالى لنوح عليه السلام في شأن ابنه إنه ليس من أهلك أنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة يعظها يا فاطمة اعملي فلن أغبي عنك من الله شيئا ومتى عرف امرؤ قضية أو استيقن أمرا وجب عليه أن يصدع به والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والقوم كانوا في مجال لظنون الدول بهم وتحت رقبة من الطغاة لتوفر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرر خروجهم مرة بعد أخرى فلاذت رجالاتهم بالاختفاء ولم يكادوا يعرفون كما قيل فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت * وأين مكاني ما عرفن مكانيا حتى لقد سمي محمد بن إسماعيل الامام جد عبيد الله المهدي بالمكتوم سمته بذلك شيعتهم لما اتفقوا عليه من إخفائه حذرا من المتغلبين عليهم فتوصل شيعة بن العباس بذلك عند ظهورهم إلى الطعن في نسبهم وازدلفوا بهذا الرأي القائل للمستضعفين
(٢٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 ... » »»