كشف الظنون - حاجي خليفة - ج ١ - الصفحة ٤٠
العلوم النقلية الوضعية وهى كلها مستندة إلى الخبر عن الوضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل الا في الحاق الفروع من مسائلها بالأصول لان الخبريات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلى بمجرد وضعه فتحتاج إلى الالحاق بوجه قياسي الا ان هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن.
واصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لان المكلف يجب عليه ان يعلم احكام الله سبحانه وتعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهى مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالاجماع أو بالالحاق فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو علم التفسير. ثم باسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الذي جاء به من عند الله سبحانه وتعالى واختلاف روايات القراء في قراءته وهو علم القراءات. ثم باسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق باخبارهم وهذه هي علوم الحديث. ثم لابد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيدنا العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه. وبعد هذا يحصل الثمرة بمعرفة احكام الله سبحانه وتعالى في أفعال المكلفين وهو الفقه.
ثم إن التكاليف منها بدني ومنها قلبي وهو المختص بالايمان وما يجب ان يعتقد وهذه هي العقائد في الذات والصفات والنبوات والأخرويات والقدر والاحتجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام. ثم النظر في القرآن والحديث لابد ان يتقدمه العلوم العربية لأنه متوقف عليها وهى علم اللغة والنحو والبيان ونحو ذلك. وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الاسلامية وإن كانت كل ملة لابد فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها من حيث إنها علوم الشريعة واما على الخصوص فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور وإن كان في الكتب المنزلة غير القرآن كما ورد النهى عن النظر في التوراة والإنجيل. ثم إن هذه العلوم الشرعية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى التي لا فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه واوضاع يستفاد منها التعليم واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها.
المنظر الثاني: في أن حملة العلم في الاسلام أكثرهم العجم.
وذلك من الغريب الواقع لان علماء الملة الاسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم العجم الا في القليل النادر وإن كان
(٤٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 ... » »»