تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٦ - الصفحة ١٥٠
عكس المشهور في الاستعمال، والنكتة في ذلك ما قيل: إنهم أولا في حال القتال مختلطون فلذا جمع أولا ضميرهم وفي حال الصلح متميزون متفارقون فلذا ثني الضمير. وقرأ ابن أبي عبلة * (اقتتلتا) * بضمير التثنية والتأنيث كما هو الظاهر. وقرأ زيد بن علي. وعبيد بن عمير * (اقتتلا) * بالتثنية والتذكير باعتبار أن الطائفتين فريقان * (فإن بغت إحداهما) * تعدت وطلبت العلو بغير الحق * (على الأخرى) * ولم تتأثر بالنصيحة * (فق‍اتلوا التي تبغى حتى تفىء) * أي ترجع * (إلى أمر الله) * أي إلى حكمه أو إلى ما أمر سبحانه به وقرأ الزهري حتى * (تفي) * بغير همز وفتح الياء وهو شاذ كما قالوا في مضارع جاء يجىء بغير همز فإذا أدخلوا الناصب فتحوا الياء أجروه مجرى بفي مضارع وفي شذوذا، وفي تعليق القتال بالموصول للإشارة إلى علية ما في حيز الصلة أي فقاتلوها لبغيها * (فإن فاءت) * أي رجعت إلى أمره تعالى وأقلعت عن القتال حذرا من قتالكم * (فأصلحوا بينهما بالعدل) * بفصل ما بينهما على حكم الله تعالى ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر، وتقييد الإصلاح هنا بالعدل لأنه مظنة الحيف لوقوعه بعد المقاتلة وقد أكد ذلك بقوله تعالى: * (وأقسطوا) * أي اعدلوا في كل ما تأتون وما تذرون * (إن الله يحب المقسطين) * فيجازيهم أحسن الجزاء. وفي " الكشاف " في الإصلاح بالعدل والقسط تفاصيل، إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت، وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها فما جنته ضمنته عند الجميع فمحمل الإصلاح بالعدل على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا من أن الفرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. قال في " الكشف "، لأن ما ذكروه من إماتة الأضغان داخل في قوله تعالى: * (فإن فاءت) * لأنه من ضرورات التوبة، فأعمال العدل والقسط إنما يكون في تدارك الفرطات ثم قال: والأولى على قول الجمهور أن يقال: الإصلاح بالعدل أنه لا يضمن من الطرفين فإن الباغي معصوم الدم والمال مثل العادل لا سيما وقد تاب فكما لا يضمن العادل المتلف لا يضمنه الباغي الفائي، هذا مقتضى العدل لا تخصيص الضمان بطرف دون آخر. والآية نزلت في قتال وقع بين الأوس والخزرج. أخرج أحمد. والبخاري. ومسلم. وابن جرير. وابن المنذر. وابن مردويه. والبيهقي في سننه عن أنس قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لو أتيت عبد الله بن أبي فانطلق إليه وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة فلما انطلق إليه قال: إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجال من قومه فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال فأنزل الله تعالى فيهم: * (وإن طائفتان) * الآية، وفي رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان متوجها إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فمر على عبد الله بن أبي بن سلول فقال ما قال فرد عليه عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه فتعصب لكل أصحابه فتقاتلوا فنزلت فقرأها صلى الله عليه وسلم عليهم فاصطلحوا وكان ابن روحة خزرجيا وابن أبي أوسيا.
(١٥٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 ... » »»