تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٦ - الصفحة ٣
محبته تعالى يعني لله سبحانه اختصاص في عدم محبته ليس لأحد غيره ذلك.
فإن قيل: ما بعد * (إلا) * حينئذ لا يكون فاعلا وهو ظاهر فتعين البدل وهو غلط، أجيب بأنه إنما يكون غلطا لو لم يكن هذا الخاص في موقع العام، ولم يكن المعنى ما جاءني أحد إلا عمرو فإن قيل: فكيون لفظ * (الله) * مجازا عن أحد ولا سبيل إليه، أجيب بأن لا يحب الله مؤل بلا يحب أحد، وواقع موقعه من غير تجوز في لفظ * (الله) * كذا قيل، وتعقبه الشهاب بأن المستثنى منه إذا كان عاما، فإما بتقدير لفظ - كما ذكره أبو حيان - وإما بالتجوز في لفظ العلم، وكلاهما مر ما فيه، ولا طريق آخر للعموم، فما ذكره المجيب لا بد من بيان طريقه اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء من العلم يشترط فيه أن يكون صاحبه أحق بالحكم بحيث إذا نفى عنه يعلم نفيه عن غيره بالطريق الأولى من غير تقدير ولا تجوز فيقال هنا مثلا: إذا لم يحب الله سبحانه الجهر بالسوء وهو الغني عن جميع الأشياء فغيره لا يحبه بطريق من الطرق، وأنت تعلم أن هذا لا يشفي الغليل لأن الاشتراط المذكور مما لم يقم عليه دليل، على أن دعوى كون نفي حب الجهر بالسوء عنه تعالى يعلم منه نفيه عن غيره بالطريق الأولى في غاية الخفاء، فالأولى ماذكره بعد بأن يقال يقدر في الكلام ما ذكر لكنه عند الاستثناء منقطعا بحسب المتبادر، والنظر إلى الظاهر. وجوز على قراءة المعلوم أن يكون متعلقا بالسوء أي إلا سوء من ظلم فيجب الجهر به ويقبله، وقيل: إنه متعلق بقوله تعالى: * (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم) * (النساء: 147) فقد روي عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقول هذا على التقديم والتأخير، أي - ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، إلا من ظلم - وكان يقرأها كذلك، ولا يكاد يقبل هذا في تخريج كلام الله تعالى العزيز.
* (وكان الله سميعا) * بجميع المسموعات فيندرج فيها كلام المظلوم والظالم * (عليما) * بجميع المعلومات التي من جملتها حال المظلوم والظالم، والجملة تذييل مقرر لما يفيده الاستثناء ولا يأبى ذلك التعميم كما توهم. ووجه ربط هذه الآية بما قبلها - على ما قاله العلامة الطيبي - أنه سبحانه لما فرغ من بيان إيراد رحمته وتقرير إظهار رأفته جاء بقوله جل وعلا: * (لا يحب الله الجهر بالسوء) * تتميما لذلك وتعليما للعباد التخلق بأخلاقه جل جلاله، وفيه أن هذا مما لا محصل له ولا تتم به المناسبة، وزعم أن الآية الأولى فيها أيضا إشارة إلى تعليم التخلق بالأخلاق العلية - كما قرره عصام الملة - ورجا أن يكون من الملهمات، وحينئذ يشتركان في أن كلا منهما متضمنا التعليم المذكور ليس بشيء كما لا يخفى، ومثل ذلك ما ذكره علي بن عيسى في وجه الاتصال وهو أنه تعالى شأنه لما ذكر أهل النفاق، وهو إظهار خلاف ما يبطن بين جل وعلا أن ما في النفس منه ما يجوز إبطانه ومنه ما يجوز إظهاره، وقال شهاب الدين: الظاهر أنه لما ذكر الشكر على وجه علم منه رضاه سبحانه ومحبة إظهاره تممه عز وجل بذكر ضده، فكأنه قيل: إنه يحب الشكر وإعلانه ويكره السوء وإعلانه، وفيه احتباك بديع..
* (إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا) *.
* (إن تبدوا) * أي تظهروا * (خيرا) * أي خير كان من الأقوال والأفعال، وقيل: المراد إن تبدوا جميلا حسنا من القول فيمن أحسن إليكم شكرا له على إنعامه عليكم، وقيل: المراد بالخير المال والمعنى: إن تظهروا التصدق أو تخفوه أي تفعلوه سرا، وقيل: تعزموا على فعله. * (أو تعفوا عن سوء) * أي تصفحوا عمن أساء إليكم مع ما سوغ لكم من مؤاخذته وأذن فيها، والتنصيص على هذا مع اندراجه
(٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 ... » »»