تفسير ابن عربي - ابن العربي - ج ١ - الصفحة ٤١١
* (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) * لكون الاستعداد الكامل الحامل له مخصوصا بك وأنت قطب العالم يرشح إليهم ما يطفح منك فلا يمكنهم الإتيان بمثله ولا يطيقون حمله، ولهذا المعنى أبى أكثرهم * (إلا كفورا) * واقترحوا الآيات الجسمانية المناسبة لاستعدادهم وإدراكهم كتفجير العيون من الأرض وجنة النخيل والأعناب وإسقاط السماء عليهم كسفا والرقي فيها والإتيان بالملائكة وسائر الممتنعات المتخيلة وأجيبوا بقوله:
* (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين) * أي: ما أمكن نزول الملائكة مع كونهم نفوسا مجردة على الهيئة الملكية في الأرض، بل لو نزلت لم ينزلوا إلا متجسدين، كما قال: * (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9)) * [الأنعام، الآية: 9] وإلا لم يمكنكم إدراكهم فبقيتم على إنكاركم، وإذا كانوا مجسدين ما صدقتم كونهم ملائكة فشأنكم الإنكار على الحالين بل على أي حال كان كإنكار الخفاش ضوء الشمس.
* (ومن يهد الله) * بمقتضى العناية الأزلية في الفطرة الأولى بنوره * (فهو المهتد) * خاصة دون غيره * (ومن يضلل) * بمنع ذلك النور عنه * (فلن تجد لهم) * أنصارا يهدونه * (من دونه) * أو يحفظونه من قهره * (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) * أي: ناكسي الرؤوس لانجذابهم إلى الجهة السفلية أو على وجوداتهم وذواتهم التي كانوا عليها في الدنيا كقوله: ' كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تبعثون ' إذ الوجه يعبر به عن الذات الموجودة مع جميع عوارضها ولوازمها أي على الحالة الأولى من غير زيادة ونقصان * (عميا) * عن الهدى، كما كانوا في الحياة الأولى * (وبكما) * عن قول الحق، لعدم إدراكهم المعنى المراد بالنطق إذ ليسوا ذوي قلوب يفهم بها ويفقه، فكيف التعبير عما لم يفهم * (وصما) * عن سماع المعقول، لعدم الفهم أيضا، فلا يؤثر فيهم موجب الهداية لا من جهة الفهم من الله تعالى بالإلهام ولا من طريق السمع من كلام الناس ولا من طريق البصر بالاعتبار * (كلما خبت زدناهم سعيرا) * كقوله: * (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) * [الأنعام، الآية: 56] بل أبلغ منه ذلك بسبب احتجابهم عن صفاتنا خصوصا قدرتنا على البعث وإنكارهم له. أنكروا ما استدلوا بخلق السماوات والأرض على القدرة.
[تفسير سورة الإسراء من آية 100 إلى آية 106]
(٤١١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 406 407 408 409 410 411 412 413 414 415 416 ... » »»