أنصار الحسين (ع) - محمد مهدي شمس الدين - الصفحة ١٧٣
دار الإمام الحسن العسكري وفتشت بحثا عن الإمام الثاني عشر، مما دعاه إلى الاختفاء والغيبة، وكان لا بد للشيعة من الاتصال به فنصب الوكلاء الذي ذكرنا أسماءهم آنفا ليتصل الشيعة به عن طريقهم، وفي هذه الظروف تولد مصطلح (الناحية) للإشارة إليه في المكاتبات والحديث.
وهذا لا ينافي أن يكون اختيار هذه الوسيلة للإشارة إلى الامام خضوعا لمقتضيات الامن، قد نشأ من شيوع هذه الظاهرة في الثقافة العامة للمجتمع في ذلك الحين (1).
ويبدو أن هذا المصطلح الذي يختلف في أسباب نشوئه عن أمثاله في الثقافة العامة - يبدو أنه مصطلح شيعي خاص، فإن ألقاب الخلفاء والسلاطين، والقواد والعلماء والكتاب التي شاعت في النصف الثاني من الدولة العباسية لم يرد فيها ذكر لمصطلح (الناحية) وقد عقد القلقشندي في كتابه صبح الأعشى فصولا ضافية بحث فيها موضوع الألقاب والكنى من جوانبه التطبيقية، وذكر، فيما يبدو كلما كان سائدا في عصره. في شأن الألقاب وصيغها، ولم يذكر من بين ما ذكر مصطلح (الناحية) (2).

(1) وقد كان ثمة مصطلح شيعي آخر للإشارة إلى الإمام الثاني عشر في المسائل المالية، هو مصطلح (الغريم) وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الارشاد المفيد: (.. عن محمد بن صالح قال: لما مات أبي وصار الامر إلي كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم - يعني صاحب الامر عليه السلام - قال الشيخ المفيد رحمه الله: وهذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديما بينها، ويكون خطابها عليه السلام للتقية (كذا)) الارشاد ص 354.
(2) أبو العباس أحمد بن علي القلقشندي: صبح الأعشى في صناعة الانشاد نسخة مصورة عن الطبعة الأميرية - في سلسلة: تراثنا - منشورات المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر - ج 5 ص 438 - 506 وجزء 6 ص.
والقلقشندي يؤرخ لشيوع ظاهرة الألقاب في مراتب الدولة والمجتمع (ثم انتهاؤها إلى غاية التعظيم ومجاوزتها الحد في التكثير) يؤرخ لهذه الظاهرة بالوقت الذي (استولى فيه بنو بويه من الديلم على الأمور، وغلبوا على الخلفاء، واستبدوا عليهم، احتجب الخلفاء، ولم يبق إليهم فيما يكتب عنهم غالبا سوى الولايات، وفوض الامر في غالب المكاتبات إلى وزرائهم، وصارت الحال إذا اقتضت ذكر الخليفة كني عنه ب‍ (المواقف المقدسة) و (المقامات الشريفة) و (السيرة النبوية) و (الدار العزيزة) و (المحل الممجد)... ولما انتهى الحال بالخلفاء إلى التعظيم بهذه الألقاب والنعوت المستعارة تداعى الامر إلى تعظيم الملوك والوزراء بالتلقيب ب‍ (المجلس العالي) و (الحضرة السامية)... ثم تزايد الحال في ذلك إلى أن كنوا ب‍ (المقام) و (المقر) و (الجناب) و (المجلس) ونحو ذلك)، صبح الأعشى: 5 / 491 - 492.
وهذا الموضوع بحاجة إلى دراسة واسعة تكشف عن تاريخ نشوئه، وتطوراته، واستنباط دلالاته الاجتماعية والسياسية في الحقبة التي نشأ ونما فيها.
(١٧٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة