تنزيه الأنبياء - الشريف المرتضى - الصفحة ٤١
يمتنع أن يكون ما رأى السماء إلا في ذلك الوقت، لأنه على ما روي كان قد ولدته أمه في مغارة خوفا من أن يقتله النمرود، ومن يكون في المغارة لا يرى السماء فلما قارب البلوغ وبلغ حد التكليف خرج من المغارة ورأى السماء وفكر فيها، وقد يجوز أيضا أن يكون قد رأى السماء قبل ذلك إلا أنه لم يفكر في أعلامها، لأن الفكر لم يكن واجبا عليه. وحين كمل عقله وحركته الخواطر فكر في الشئ الذي كان يراه قبل ذلك ولم يكن مفكرا فيه.
والوجه الآخر في أصل المسألة: هو أن إبراهيم عليه السلام لم يقل ما تضمنته الآيات على طريق الشك، ولا في زمان مهلة النظر والفكر، بل كان في تلك الحال موقنا عالما بأن ربه تعالى لا يجوز أن يكون بصفة شئ من الكواكب، وإنما قال ذلك على سبيل الإنكار على قومه والتنبيه لهم على أن ما يغيب ويأفل لا يجوز أن يكون إلها معبودا، ويكون قوله: (هذا ربي) محمولا على أحد وجهين: أي هو كذلك عندكم وعلى مذاهبكم. كما يقول أحدنا للمشبه على سبيل الإنكار لقوله هذا ربه جسم يتحرك ويسكن.
والوجه الآخر:
أن يكون قال ذلك مستفهما، وأسقط حرف الاستفهام للاستغناء عنه، وقد جاء في الشعر ذلك كثيرا:
قال الأخطل (1):
كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا

(1) الأخطل: شاعر الأمويين (640 - 710 ه‍) هو غياث التغلبي لقب بالأخطل لطول لسانه أو لارتخاء أذنيه له ديوان كبير أكثره في الشعر السياسي مدح فيه الأمويين وهجا أعداءهم.
(٤١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 ... » »»
الفهرست