سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج ٨ - الصفحة ٢٠٩
فقال: كان عاقلا، صدوقا، محدثا، وكان شديدا على أهل الريب والبدع، قديم السماع من أبي إسحاق قبل زهير، وقبل إسرائيل. فقلت له: إسرائيل أثبت منه؟ قال: نعم. قلت له: يحتج به؟ قال: لا تسألني عن رأيي في هذا. قلت: فإسرائيل يحتج به؟ قال: إي لعمري. قال:
وولد شريك سنة خمس وتسعين. قلت له: كيف كان مذهبه في علي وعثمان رضي الله عنهما؟ قال: لا أدري.
قال حفص بن غياث، من طريق علي بن خشرم، عنه: سمعت شريكا يقول: قبض النبي صلى الله عليه وسلم، واستخار المسلمون أبا بكر، فلو علموا أن فيهم أحدا أفضل منه كانوا قد غشونا، ثم استخلف أبو عمر، فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما حضرته الوفاة، جعل الامر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان. فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا.
قال علي بن خشرم: فأخبرني بعض أصحابنا من أهل الحديث، أنه عرض هذا على عبد الله بن إدريس، فقال ابن إدريس: أنت سمعت هذا من حفص؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي أنطق بهذا لسانه، فوالله إنه لشيعي، وإن شريكا لشيعي.
قلت: هذا التشيع الذي لا محذور فيه إن شاء الله إلا من قبيل الكلام فيمن حارب عليا رضي الله عنه من الصحابة، قبيح يؤدب فاعله. ولا نذكر أحدا من الصحابة إلا بخير، ونترضى عنهم، ونقول: هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام علي، وذلك بنص قول المصطفى صلوات الله عليه لعمار: " تقتلك الفئة الباغية " (1). فنسأل الله أن يرضى عن الجميع،

(1) أخرجه مسلم (2916) في الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون الرجل مكان الميت من البلاء، وهو حديث متواتر، رواه جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري وهو في " الصحيح "، وقتادة بن النعمان عند النسائي، وأبو هريرة عند الترمذي، وعبد الله بن عمرو بن العاص عند النسائي، وعثمان بن عفان، وحذيفة، وأبو أيوب، وأبو رافع، وخزيمة بن ثابت، ومعاوية، وعمرو بن العاص. قال الحافظ في " فتح الباري " 1 / 452: وكلها عند الطبراني وغيره، وغالب طرقها صحيحة وحسنة. وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم. وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه. ونقل المناوي في " فيض القدير " 6 / 366 عن كتاب الإمامة للامام عبد القاهر الجرجاني قوله: أجمع فقهاء الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي منهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والجمهور الأعظم من المتكلمين والمسلمين، أن عليا مصيب في قتاله لأهل صفين، كما هو مصيب في أهل لجمل، وأن الذين قاتلوه بغاة ظالمون له.
(٢٠٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 ... » »»