تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٣ - الصفحة ٥٢
لأهله منه شيء * (ويربي الصدقات) * يزيدها ويضاعف ثوابها ويكثر المال الذي أخرجت منه الصدقة. أخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله تعالى إلا طيبا - فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " وأخرج الشافعي، وأحمد مثل ذلك، والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب في الربا زيادة في المال ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبين سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان - كذا قيل - وجعلوه وجها لتعقيب آيات الانفاق بآية الربا.
* (والله لا يحب) * لا يرتضي * (كل كفار) * متمسك بالكفر مقيم عليه معتاد له * (أثيم) * منهمك في ارتكابه والآية لعموم السلب لا لسلب العموم إذ لا فرق بين واحد وواحد، واختيار صيغة المبالغة للتنبيه على فظاعة آكل الربا ومستحله، وقد ورد في شأن الربا وحده ما ورد فكيف حاله مع الاستحلال؟! أعاذنا الله تعالى من ذلك. فقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " درهم ربا أشد على الله تعالى من ست وثلاثين زنية " وقال: " من نبت لحمه من سحت فالنار أولى به " وأخرج ابن ماجه وغيره عن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الربا سبعون بابا أدناها مثل أن يقع الرجل على أمه وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه ". وأخرج جميل بن دراج عن الإمامية عن أبي عبد الله الحسين رضي الله تعالى عنه قال: " درهم ربا أعظم عند الله تعالى من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام ". وأخرج عبد الرزاق وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الربا خمسة آكله وموكله وشاهديه وكاتبه ".
* (إن الذين ءامنوا وعملوا الص‍الح‍ات وأقاموا الصلواة وآتوا الزكواة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) *.
* (إن الذين ءامنوا) * بما وجب الإيمان به * (وعملوا) * الأعمال * (الص‍الح‍ات) * على الوجه الذي أمروا به * (وأقاموا الصلواة وءاتوا الزكواة) * تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى: أعظم الأعمال البدنية والثانية: أفضل الأعمال المالية * (لهم أجرهم) * الموعود لهم حال كونه * (عند ربهم) * وفي التعبير بذلك مزيد لطف وتشريف * (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * لوفور حظهم.
* (ياأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربواا إن كنتم مؤمنين) *.
* (ي‍اايها الذين ءامنوا) * في الظاهر * (اتقوا الله) * أي قوا أنفسكم عقابه * (وذروا) * أي اتركوا * (ما بقي من الربوا) * لكن عند الناس * (إن كنتم مؤمنين) * عن صميم القلب فإن دليله امتثال ما أمرتم به وهو شرط حذف جوابه ثقة بما قبله، و * (من) * تبعيضية متعلقة بمحذوف وقع حالا من فاعل بقي، وقيل: متعلقة - ببقي - وقرأ الحسن - بقي - بقلب الياء ألفا على لغة طىء، والآية كما قال السدي: نزلت في العباس رضي الله تعالى عنه ابن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني عمرة وهم بنو عمرو بن عمير فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حين نزلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد ياليل بن عمر، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير وكلهم أخوة وهم الطالبون، والمطلوبون
(٥٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 ... » »»