عمدة القاري - العيني - ج ١١ - الصفحة ٤
مختصرا، وأخرجه مسلم من هذا الوجه، وقال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن عبد ربه بن سعيد عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (عن عائشة وأم سلمة زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم). قوله: (إن أباه عبد الرحمن أخبر مروان) هو مروان بن عبد الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن قصي القرشي الأموي، أبو عبد الملك، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، ولم يصح له سماع من النبي، صلى الله عليه وسلم، وقال مالك: ولد يوم أحد، وقيل: يوم الخندق، وقيل: ولد بمكة، وقيل: بالطائف ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم لأنه خرج إلى الطائف طفلا لا يعقل لما نفى النبي صلى الله عليه وسلم أباه الحكم، وكان مع أبيه حتى استخلف عثمان، رضي الله تعالى عنه، فردهما واستكتب عثمان مروان وضمه إليه، واستعمله معاوية على المدينة ومكة والطائف، ثم عزله عن المدينة سنة ثمان وأربعين، ولما مات معاوية بن يزيد بن معاوية ولم يعهد إلى أحد بايع الناس بالشام مروان بالخلافة، ثم مات، وكانت خلافته تسعة أشهر، مات في رمضان سنة خمس وستين، روى له الجماعة سوى مسلم. قوله: (كان يدركه الفجر وهو جنب) أي: والحال أنه جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم، وفي رواية يونس عن ابن شهاب عن عروة وأبي بكر بن عبد الرحمن (عن عائشة: كان يدركه الفجر في رمضان من غير حلم)، وسيأتي بعد بابين. وفي رواية للنسائي من طريق عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن (عن أبيه عنها: كان يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم ذلك اليوم). وفي لفظ له: (كان يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام).
وقال القرطبي: في هذا فائدتان: أحدهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز. والثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام، لأنه كان لا يحتلم، إذ الاحتلام من الشيطان وهو معصوم منه قيل في قول عائشة من غير احتلام إشارة إلى جواز الاحتلام عليه وإلا لما كان لاستثنائه معنى ورد بأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم عنه، ولكن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال من غير رؤية شيء في المنام.
قوله: (فقال مروان لعبد الرحمن بن الحارث: أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة). وفي رواية النسائي من طريق عكرمة بن خالد (عن أبي بكر بن عبد الرحمن، فقال مروان لعبد الرحمن: إلق أبا هريرة فحدثه بهذا، فقال: إنه لجاري وإني لأكره أن استقبله بما يكره، فقال: أعزم عليك لتلقينه)، ومن طريق عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبيه، فقال عبد الرحمن لمروان: غفر الله لك، إنه لي صديق ولا أحب أن أرد عليه) قوله: (وكان سبب ذلك أن أبا هريرة كان يفتى أن من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم)، على ما رواه مالك عن سمي (عن أبي بكر أن أبا هريرة كان يقول: من أصبح جنبا أفطر ذلك اليوم)، وفي رواية للنسائي من طريق المقبري: (كان أبو هريرة يفتي الناس: أن من أصبح جنبا فلا يصوم ذلك اليوم)، وإليه كان يذهب إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاووس، ولكن أبا هريرة لم يثبت على قوله هذا حيث رد العلم بهذه المسألة إلى عائشة، فقال: عائشة أعلم مني، أو قال: أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مني. وقال أبو عمر: روى عن أبي هريرة محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان الرجوع عن ذلك، وحكاه الحازمي عن سعيد بن المسيب، وقال الخطابي وابن المنذر: أحسن ما سمعت من خبر أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنه منسوخ، لأن الجماع كان محرما على الصائم بعد النوم، فلما أباح الله تعالى الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم لارتفاع الحظر، فكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر عائشة وأم سلمة رجع إليه. قوله: (لتفزعن)، بالفاء والزاي من الفزع وهو الخوف، أي: لتخيفنه بهذه القصة التي تخالف فتواه، وقد أكد هذا باللام والنون المشددة، وهذا كذا وقع في رواية الأكثرين، ووقع في رواية الكشميهني: (تقرعن)، من القرع بالقاف والراء أي لتقرعن أبا هريرة بهذه القصة، يقال: قرعت بكذا، سمع فلان: إذا أعلمته إعلاما صريحا. وقال الكرماني: ويروى (لتعرفن)، من التعريف. قوله: (ومروان يومئذ على المدينة)، أي: حاكما عليها من جهة معاوية بن أبي سفيان. قوله: (فكره ذلك عبد الرحمن)، أي: فكره عبد الرحمن فعل ما قاله مروان من قرع أبي هريرة وإفزاعه فيما كان يفتي به. قوله: (ثم قدر لنا) أي: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ثم بعد ذلك قدر الله لنا الاجتماع بذي الحليفة، وهو الموضع المعروف، وهو ميقات أهل المدينة وكان لأبي هريرة هنالك أي: في ذي الحليفة أرض، وكان أبو هريرة هناك في ذلك الوقت. فإن قلت: ففي رواية مالك:
(٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 ... » »»