المبسوط - السرخسي - ج ١٠ - الصفحة ١٣٩
الذي يفادى به كان أولى (وحجتنا) في ذلك قوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم فبهذا تبين أن قتل المشرك عند التمكن منه فرض محكم وفى المفاداة ترك إقامة هذا الفرض وسورة براءة من آخر ما نزل فكانت هذه الآية قاضية على قوله تعالى فاما منا بعد واما فداء على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من مفاداة الأسارى يوم بدر كيف وقد قال تعالى لولا كتاب من الله أسبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال صلى الله عليه وسلم لو نزل العذاب ما نجى منه الا عمر فإنه كان أشار بقتلهم واستقصي في ذلك وقال تعالى وان يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم فما أخبر الله تعالى عن الأمم السالفة على وجه الانكار عليهم ففائدتنا أن لا نفعل مثل ما فعلوا وحديث أبي بكر رضي الله عنه في الأسير حيث قال لا تفادوه وان أعطيتم به مدين من ذهب ولأنه صار من أهل دارنا فلا يجوز اعادته إلى دار الحرب ليكون حربا علينا بمال يؤخذ منه كأهل الذمة وبه فارق الاسترقاق لان في ذلك تقرير كونه من أهل دارنا لا لمقصود المال كأخذ الجزية من أهل الذمة ولان تخلية سبيل المشرك ليعود حربا للمسلمين معصية وارتكاب المعصية لمنفعة المال لا يجوز وقتل المشرك فرض ولو أعطونا مالا لترك الصلاة لا يجوز لنا أن نفعل ذلك مع الحاجة إلى المال فكذلك لا يجوز ترك قتل المشرك بالمفاداة يوضحه أن في هذا تقوية المشركين بمعنى يختص بالقتال وذلك لا يجوز لمنفعة المال كما لا يجوز بيع الكراع والسلاح منهم بل أولى لان قوة القتال بالمقاتل أظهر منه بآلة القتال وعن محمد رحمه الله تعالى قال لا يجوز المفاداة للشيخ الكبير الذي لا يرجي له نسل ولا رأى له في الحرب بالمال لان مثله لا يقتل وليس في المفاداة ترك القتل المستحق ولا تقوية المشركين بإعادة المقاتل إليهم فهو كبيع الطعام وغيره من الأموال منهم فأما مفاداة الأسير بالأسير لا يجوز في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي رواية عنه أنه جوز ذلك وهو قولهما لان في هذا تخليص المسلم من عذاب المشركين والفتنة في الدين وذلك جائز كما تجوز المفاداة في أسارى المسلمين بمال من كراع أو سلاح أو غير ذلك وجه قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى ان قتل المشركين فرض محكم فلا يجوز تركه بالمفاداة وهذا لأنه إذ ابتلى الأسير المسلم بعذاب أو فتنة من جهتهم فذلك لا يكون مضافا إلى فعل المسلم وإذا خلينا سبيل المشرك ليعود حربا لنا فذلك بفعل مضاف الينا فمراعاة هذا الجانب أولى وهذا لأنا أمرنا ببذل النفوس والأموال لنتوصل إلى
(١٣٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 ... » »»
الفهرست