العثمانية - الجاحظ - الصفحة ٦٥
لأجبتك! وكان عروة قد استعان في حمالة، فكان الرجل يعينه بالفريضتين والثلاث، فمشى إلى أبى بكر فأعطاه عشر فرائض (1).
ألا ترى كثرة أياديه ونبله وامنعا (2)، وحده وشهامته ورياسته؟!
فبهذا وأشباهه يعرف قدر الرجل بمكة وفى قومه، وعند النبي صلى الله عليه وسلم وجماعة أصحابه.
ولو لم يعلم من شدة قلبه وصواب رأيه وقوة عزمه وقلة وحشته ويمن بركته إلا أن كبار المهاجرين دخلوا عليه، منهم عمر وعثمان وأبو عبيدة. وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في جمع كثيف من المهاجرين، فقالوا بأجمعهم: يا خليفة رسول الله، إن العرب قد انتقضت عليك، وإنك لن تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا، اجعلهم عدة لأهل الردة ترمى بهم نحورهم، وأخرى أنا لا نأمن على المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء، فلو استأنيت بغزو الروم حتى يضرب الاسلام بجرانه ويعود أهل الردة إلى ما خرجوا منه [أ] ويفنيهم السيف، ثم تبعث أسامة حينئذ، فتكون قد أنفذت الجيش كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقد دفعت بهم أهل الردة، ولانا نخاف الروم أن تزحف إلينا يومنا هذا.
فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال: هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا: قد سمعت مقالتنا. قال: والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني لأنفذت هذا البعث، ولا بدأت بأولى منه، والنبي صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي من السماء وهو يقول: أنفذوا جيش أسامة.

(1) أصل الفريضة البعير المأخوذ في الزكاة، ثم اتسع فيه فسمى كل بعير فريضة.
(2) كذا وردت هذه الكلمة.
(٦٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 ... » »»