تهذيب الكمال - المزي - ج ٢ - الصفحة ١١٣
منصور عبد الرحمان بن محمد الشيباني قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن عمر بن بكير، قال:
حدثنا الحسين بن أحمد الهروي الصفار، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ياسين، قال: سمعت إسحاق بن محمد بن بورجة (1) يقول: قال مالك بن سليمان: كان لإبراهيم بن طهمان جراية من بيت المال فاخرة يأخذ في كل وقت، وكان يسخو به، فسئل مسألة يوما من الأيام في مجلس الخليفة، فقال: لا أدري. فقالوا له: تأخذ في كل شهر كذا وكذا، ولا تحسن مسألة؟! فقال: إنما آخذ (2) على ما أحسن، ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال علي ولا يفنى ما لا أحسن، فأعجب أمير المؤمنين جوابه، وأمر له بجائزة فاخرة وزاد في جرايته (3) وبه: أخبرنا أبو بكر الحافظ، قال: حدثني الحسين

(١) في تاريخ الخطيب (٦ / ١١٠): " بودجة " محرف.
(٢) في تاريخ الخطيب (٦ / ١١٠): " آخذه ". وما هنا أحسن (٣) ووثقه جمهور العلماء منهم: أحمد بن حنبل، وابن حبان البستي، والدارقطني، والذهبي، وابن حجر، وغيرهم. وخرج أبو عوانة حديثه في صحيحه، وأبو عبد الله. الحاكم في " المستدرك ". وقال البخاري في تاريخه: " حدثنا رجل، حدثني علي بن الحسن بن شقيق، سمعت ابن المبارك يقول: أبو حمزة السكري وإبراهيم بن طهمان صحيحا العلم والحديث ". ونقل الحافظ أبو حفص بن شاهين عن الإمام أحمد توثيقه، وأنه قال مرة: صالح. ونقل الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قوله: " سمعت أحمد بن حنبل - وذكر عنده إبراهيم بن طهمان وكان متكئا من علة فاستوى جالسا وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكى، ثم قال أحمد: حدثني رجل من أصحاب ابن المبارك، قال: رأيت ابن المبارك في المنام ومعه شيخ مهيب، فقلت: من هذا معك؟ قال: أما تعرف؟ هذا سفيان الثوري، قلت: من أين أقبلتم؟ قال: نحن نزور كل يوم إبراهيم بن طهمان، قلت: وأين تزورونه؟ قال: في دار الصديقين:
دار يحيى بن زكريا ". وقال الحافظ ابن حبان البستي في (الثقات ١ / الورقة: ١٥): " أمره مشتبه له مدخل في الثقات ومدخل في الضعفاء، قد روى أحاديث مستقيمة تشبه أحاديث الاثبات، وقد تفرد عن ثقات بأشياء معضلات ". قال بشار: وهذا الذي ذكره ابن حبان كان بسبب تضعيف بعضهم له بسبب الارجاء - وهو تضعيف ضعيف - والذي ضعفه هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وحده حينما قال: " ضعيف مضطرب الحديث "، كما لينه السليماني فقال: " أنكروا عليه حديثه عن أبي الزبير عن جابر في رفع اليدين، وحديثه عن شعبة عن قتادة عن أنس: رفعت لي سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار ". وقد ذكر الذهبي في " الميزان " أنه لا عبرة بقول مضعفه وأن لا نكارة في حديثيه عن أبي الزبير وشعبة، وأنه ثقة. ثم ذكره في كتابه النافع " من تكلم فيه وهو موثق " ورد على القائل بتضعيفه. وذكر الحسين بن إدريس أنه نقل تضعيف محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي إلى الحافظ صالح جزرة، فقال: " ابن عمار من أين يعرف حديث إبراهيم؟! إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة - يعني الحديث الذي رواه ابن عمار عن المعافى بن عمران عن إبراهيم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة: " أول جمعة جمعت بجواثا " قال صالح: والغلط فيه من غير إبراهيم لان جماعة رووه عنه عن أبي حمزة عن ابن عباس، وكذا هو في تصنيفه، وهو الصواب، وتفرد المعافى بذكر محمد بن زياد فعلم أن الغلط منه لا من إبراهيم ". وقال ابن حجر معلقا على حديثيه عن أبي الزبير وشعبة فقال: فأما حديث أنس فعلقه البخاري في الصحيح لإبراهيم ووصله أبو عوانة في صحيحه، وأما حديث جابر فرواه ابن ماجة من طريق أبي حذيفة عنه ".
ونقل العلامة علاء الدين مغلطاي عن الحافظ أبي عبد الله الحاكم في " تاريخ نيسابور " قوله: " وقد اشتبه على بعض أئمة المسلمين من مذهب إبراهيم بن طهمان وما نسب إليه من مذهب الكوفيين، والبيان الواضح أنه مدني المذهب، قال الحسين بن الوليد: صحبت مالك بن أنس في طريق مكة، فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من أهل نيسابور، قال: تعرف ابن طهمان؟ قلت: نعم. قال: يقول أنا عند الله مؤمن، قال: فكانت فرصتي فيه فقلت: ما بأس بذلك، قال: فأطرق ساعة ثم قال: لم أجد المشايخ يقولون ذلك - وفي رواية: فقال لي: يا هذا ما هذه الأعجوبة التي تبلغنا عن طهمانكم؟ قال: قلت: ما الذي بلغك، قال: بلغني أنه يقول: إيماني مثل إيمان جبريل، فقلت: وما له لا يقول ذاك - كي أغضبه - قال:
ويحك لا تقله لان السلف لم تقله! قال الحسين: فما رأيت جوابا أشفى ولا أوجز منه وكان أحب إلي من ربح عشرين ألفا.. قال أبو عبد الله (الحاكم): ومذهب إبراهيم الذي نقل إلينا عنه بخلافه فلا أدري أكان ينتحلها ثم رجع عنها أو اشتبه على الناقلين حقيقة الحال فيما نقلوه فاسمع الآن الروايات الصحيحة عن إبراهيم الدالة على صحة عقيدته في مذهب أهل الحديث في الأصول والفروع (ثم أورد الحاكم حكايات تدلل على مذهب إبراهيم الصحيح وأنه من أهل الحديث وقال بعد ذلك -: " فقد أقمنا البراهين على مذهب إبراهيم إذ هو إمام لأهل خراسان في مذهب أهل الحديث وأول مفتي للحديث بنيسابور كي لا يغتر بتلك الحكايات التي اشتبهت مغتر، فإن مثل إبراهيم مرغوب في الانتماء إليه فلذلك ادعته أهل الكوفة أنه منهم، وقد اختلفوا بمثل هذا الخلاف في سفيان الثوري لجلالته والروايات ظاهرة بخلاف ما ادعوه ". قال بشار أيضا: ونحن وإن سلمنا جدلا بإرجائه فإن هذا لا يضعفه ويكفيه جلالة رواية الأئمة له، وهي أعظم دلالة على توثيقه وتوثيق أمثاله من (المبدعين) إن كان منهم، وقال الحافظ ابن حجر: " الحق فيه أنه ثقة صحيح الحديث إذا روى عنه ثقة ولم يثبت غلوه في الارجاء ولا كان داعية إليه بل ذكر الحاكم أنه رجع عنه والله أعلم ". (انظر تاريخ البخاري: 1 / 1 / 294، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم: 1 / 1 / 107، والثقات لابن حبان: 1 / الورقة: 15، والثقات لابن شاهين، الورقة: 7، وتاريخ بغداد للخطيب:
6 / 105 فما بعد، ورجال صحيح مسلم لابن منجويه، الورقة: 4، والجمع لابن القيسراني: 1 / 16، وتذكرة الحفاظ للذهبي: 1 / 213، والكاشف له: 1 / 83، والميزان له: 1 / 38، وديوان الضعفاء له أيضا، الورقة: 7، ومن تكلم فيه وهو موثق له، الورقة: 1، والجواهر المضية للقرشي: 1 / 392، والعقد الثمين للفاسي 3 / 215 - 216، والطبقات السنية للتميمي، 1 / 229، وإكمال مغلطاي:
1 / الورقة: 55 - 57، وتهذيب ابن حجر: 1 / 129 - 131 وغيرها)، وراجع ما كتبه علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي عن " المبدعين " في كتابه النافع " الجرح والتعديل ".
(١١٣)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 ... » »»