شرح شافية ابن الحاجب - رضي الدين الأستراباذي - ج ٤ - الصفحة ٣٧
بالقرآن، رابعها: أن يكون ذلك كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع إلى السماء، ويطابقه ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قيل له: أو تبكيان على أحد؟ قال: نعم، مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء، وروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه " ومعنى البكاء هنا الاخبار عن الاختلال بعده، كما يقال:
بكى منزل فلان بعده، قال مزاحم [من الطويل] بكت دارهم من أجلهم فتهللت * دموعي، فأي الجازعين ألوم؟
ويمكن في الآية وجه خامس، وهو أن يكون البكاء كناية عن المطر والسقيا، لان العرب تشبه المطر بالبكاء، ويكون المعنى أن السماء لم تسق قبورهم، ولم تجد على قبورهم، على مذهب العرب، لانهم يستسقون السحاب لقبور من فقدوه من أعزائهم، ويستنبتون لمواقع حفرهم والرياض، قال النابغة (1) [من الطويل] فلا زال قبر بين تبني وجاسم * عليه من الوسمي طل ووابل فينبت حوذانا وعوفا منورا * سأتبعه من خير ما قال قائل وكانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام ومسألة الله لهم الرضوان، والفعل

(1) البيتان للنابغة الذبياني من قصيدة يرثى فيها النعمان بن الحرث بن أبي شمر الغساني، وأولهما في رواية الأصمعي سقى الغيث قبرا بين بصرى وجاسم * بغيث من الوسمي قطر ووابل وتبنى، وبصرى، وجاسم: مواضع بالشام. والوسمى: أول المطر، والطل: الخفيف منه، والوابل: الكثير، والحوذان، والعوف: نبتان، وأولها أطيب رائحة
(٣٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 ... » »»